الخميس، 2 أبريل 2026

مذكرات سيدة من الزمن الجميل

تُطلّ كلية الحقوق في جامعة دمشق كواحدةٍ من أعرق المنارات العلمية في المشرق العربي، حاملةً في ذاكرتها أكثر من قرنٍ من الزمن. فقد بدأت حكايتها في الأول من تشرين الثاني عام 1913، حين أُسِّست كمدرسةٍ للحقوق في بيروت، قبل أن تعود وتُبعث من جديد في دمشق عام 1919، لتغدو نواة التعليم القانوني الحديث في البلاد. ومع قيام الجامعة السورية عام 1923، أصبحت الكلية جزءاً أصيلاً منها، إلى أن استقر اسمها النهائي «كلية الحقوق» عام 1946.


ومنذ تلك البدايات، تعاقب على بنائها العلمي رجالٌ تركوا بصمتهم العميقة، أمثال عبد اللطيف صلاح، وسليم العطار، وعبد القادر العظم، الذين لم يكتفوا بوضع المناهج، بل أسّسوا لروحٍ أكاديميةٍ رصينة، تمزج بين أصالة الفكر القانوني وحداثته.


ومع أواخر الخمسينيات، أخذت الكلية تخطو نحو مرحلةٍ أكثر نضجاً، فباشرت عام 1959 بمنح دبلومات الدراسات العليا في القانون العام والخاص، مؤكدةً مكانتها كمركزٍ متقدمٍ للبحث والمعرفة. وفي ستينيات القرن العشرين، لمع نجم أساتذة بارزين، مثل محمد الفاضل، الذي قاد قسم القانون الجنائي ثم تولّى عمادة الكلية، وعزيز شكري، الذي رسّخ حضور القانون الدولي في مناهجها، وقد درس في الكلية الدكتور عبود السراج والدكتور رمضان البوطي.


وفي عام 1960، كانت الكلية قد استقرّت في مبناها في ثكنة الحميدية، وبلغت درجةً لافتة من التنظيم والازدهار. هناك، لم تكن القاعات مجرد أماكن للدراسة، بل فضاءات حيّة تتلاقى فيها الأفكار والطموحات. وتروي السيدة وفاء الساطع، وهي إحدى طالبات تلك المرحلة، صورةً إنسانيةً دافئة عن تلك الأيام، فتقول: «كنا نخبةً متنوعة ندرس القانون، وكان بيننا فتاةٌ جميلة، راقية المظهر، دمثة الأخلاق. لم نعرف عنها الكثير في البداية، ثم اكتشفنا لاحقاً أنها من يهود دمشق. كان تهذيبها ورقتها يجذباننا إليها».


تلك الفتاة كانت سلفي شالوح، التي لم تكن مجرد طالبةٍ في كلية الحقوق، بل كانت مثالاً للتفوق والتنوع الثقافي. فقد أتقنت عدة لغات، ودرست في معاهد متخصصة، إلى جانب عملها مدرسةً في مدرسة موسى بن ميمون التي كان تحت إدارة الأستاذ المسلم محمود الساطع في حي اليهود الذي يقول بأن تآلفاً غريباً بين إداريّ المدرسة ومعلميها كان لافتا.

 لاحقاً، تابعت سلفي طريقها حتى تخرّجت من مدرسة الحقوق، حاملةً معها هذا المزيج الفريد من الثقافة والمهارة، لتقول علمت فيما بعد أنها أجادت فن الخياطة والتطريز، لتجمع بين الذوق الرفيع والعلم الواسع، لتغادر دمشق إلى الولايات المتحدة الأمريكية في العقد الثامن من القرن المنصرم لكن ذكراها بقيت حيّة، بوصفها واحدةً من بنات دمشق اللواتي حملن روحها معهن أينما ذهبن.

وهكذا بدت دمشق في تلك السنوات مدينةً تتسع للجميع، تتجاور فيها الاختلافات تحت مظلة الودّ والتعايش.

دفءٌ لا يزول

تمضي الأيام، وتبقى بعض اللحظات

ساكنة في القلب، لا يغيّرها زمن، ولا يطفئها غياب.


صباحٌ هادئ…

شمسٌ خجولة تتسلل بين غيماتٍ ساكنة، ومطرٌ خفيف ينهمر برفق، كأنّه يهمس للأرض ولا يوقظها.

جلستُ بصمت أمام نافذة غرفتي،

أصغي لصوت المطر وهو ينساب، فإذا بالذاكرة تفتح بابها دون استئذان.


أتذكر يومها أني كنتُ في الرابعة من عمري…

أمشي إلى جانب أمي، وهي تحمل البقجة بيدها، ونحن خلفها، أنا وإخوتي، نعبر الأزقة الضيقة بخطواتٍ صغيرة.

لم أكن أعرف الطريق، لكنني كنت أشعر بالأمان… ما دامت هي أمامنا.

لنصل إلى باب الحمّام.


لا تحضرني التفاصيل كاملة، بل ومضات ناعمة:

أرضية رخامية مبللة بلونٍ زهريّ خفيف، جرن واسع، والماء يتدفق فيه بلا انقطاع…

أصوات خافتة، تختلط بهمس البخار، فتغدو كأنها سرّ المكان.


في الداخل، كان كل شيء مختلفاً…

دفء يحيط بالجسد برفق، وبخار يتصاعد فيهدّئ الحواس، ويجعل العالم خارج الجدران بعيداً جداً.

الماء الساخن، ورائحة الصابون، ولمعان الحجر… كلها كانت تصنع عالماً صغيراً، دافئاً، يشبه الحلم.


كان فرحي بسيطاً، وعميقاً، وكأنني داخل مكان ينتمي إلى خيالي الطفوليّ النقي.


واليوم…

تعود أمي إلى ذاكرتي مع هذا المطر.


رحمها الله…

كم كانت حنونة، وكم كانت تخاف علينا بصمت، دون أن تقول شيئاً.

أخذتنا إلى ذلك الدفء، ولم نكن نعلم أنها هي الدفء كله.

في نهاية المطاف أتذكر أنها وضعت في الماء شيئا يشبه التراب له رائحة طيبة كم كنت جميلة يا أمي، بالرغم من طول فترة الغياب إلا أنك تسكنين أعماق الذاكرة.


وبمناسبة الحمام فدمشق تحتضن مئات الحمامات منذ ما قبل التاريخ، اندثرت في الغالب ولكن ما بقي منها يذكر بما كان في العصور الغابرة وعليه تتكون الحمامات من فسحة استقبال بسيطة, يليها

 البرّاني، يتبعه مكان فسيح حيث الضوء يتسلل من القباب العالية عبر فتحات صغيرة، فيرسم دوائر من النور على الأرض الرخامية. هنا يجلس الزوار على المصاطب، يتبادلون الأحاديث، يحتسون الشاي أو القهوة، وتُخلع الثياب بهدوء وكأنها طقس انتقال من عالم إلى آخر.


 ليتبعه الوسطاني، حيث تبدأ الحرارة بالتصاعد تدريجياً. الهواء دافئ، والبخار الخفيف يلامس الوجه، والأرضية دافئة.


أما الجواني، فهو قلب الحمّام النابض. هنا يشتد البخار حتى يكاد يحجب الرؤية، الحرارة عالية، والماء يتدفق من الصنابير على الأجران بطاساتها التي تلعب مع الماء المتدفق.


كان في الحمّام فريق متكامل من العاملين، لكلٍ منهم دوره، من صاحب الحمّام إلى من يستقبل الزوار، والقميمي الذي يشعل النار في بيت النار (الأتون) ليحافظ على حرارة المياه والبخار. والقهوجي الذي يقدم الشراب في البرّاني، والسقّا الذي ينقل الماء، والمدلّك الذي يمنح الزبون لحظة استرخاء عميقة.


لم يكن الحمّام مجرد مكان للاغتسال، بل كان مساحة للقاء، عالم من البخار والضوء، من الماء والحجر، ومن الزائرين الذين جعلوا منه جزءاً لا يتجزأ من روح دمشق.

الأحد، 22 فبراير 2026

قصر آل الشمعة…أيقونة دمشقية تتنفس جمالًا



في قلب دمشق العتيقة كان قصر آل الشمعة بيت دمشقي يختصر عبق تاريخ الياسمين الدمشقي، ويجمع في بين طياته فن العمارة الدمشقية، ففي زخارفه نبض حياة. 
يعود تاريخ القصر إلى القرن الثامن عشر، وقد اختار موقعه أحد كبار تجّار دمشق في تلك الحقبة، الحاج سعيد الشمعة، في نقطةٍ تشرف على أحياءٍ لها ثقلها في ذاكرة المدينة: حي القنوات، وباب السريجة، وباب الجابية. لم يكن اختيارًا عابرًا؛ بل كان كأن صاحبه أراد للقصر أن يبقى قريبًا من قلب دمشق، لا في هامشها.
وهكذا كان قصر آل الشمعة؛ بأروقته الرحبة وباحاته التي تتوسّطها الفسقيّات وتحفّها الأشجار الباسقة، بدا نموذجًا متقنًا لفن العمارة الدمشقية في أجمل صورها.
في عصره الذهبي لم يكن القصر منزلًا للعائلة فقط، بل كان فضاءً ثقافيًا تتقاطع فيه الزيارة بالمعرفة، والضيافة بالفكر. وقد وصفته الكاتبة ناديا خوست بأنه أشبه بـ“جوهرة معمارية” تتلألأ في قلب المدينة القديمة.
يحمل القصر من الداخل لغته الخاصة حيث تستقبلك الباحة الواسعة المرصوفة بالحجر المشذّب، وفي وسطها بحرة كبيرة تتوسّطها نافورة من الرخام. حول الباحة تمتد أروقة مسقوفة بأقواسٍ عربية تستند إلى أعمدةٍ حجرية متينة، ثم تتتابع القاعات الفسيحة بأسقفها العالية المزخرفة بالجص والخشب المعشّق، تتوزع فيها النقوش النباتية والهندسية التي أبدعتها أيدي فنيين دمشقيين مهرة.

تفاصيل الغرف كانت لا تقلّ سحرًا: أرضيات من الرخام الملوّن، وجدران مكسوّة بـالقيشاني الدمشقي إذ يمنح المكان برودةً لطيفة وبهاءً دائمًا. وفي الغرف الرئيسية غالبًا ما نجد شرفات تُطل على الحديقة الداخلية، لتبقى العلاقة بين الداخل والخارج مفتوحة.

وفي قلب هذا التكوين كله تبرز قاعة الاستقبال الكبرى “الإيوان”؛ قاعةٌ وُلدت لتكون عنوان القصر. تتزيّن بالفسيفساء، وتتخلّلها نوافذ الأرابيسك المشغولة بالخشب الملوّن.
وإلى جانب الإيوان، كانت بعض الغرف تضم مشالح—مجالس مرتفعة—تُهيَّأ للجلوس الطويل، وبالقرب منها مشاجب خشبية للنحاسيات والخزف.

لم يكن القصر، في امتداداته، معزولًا عن خصوصية العائلة أيضًا؛ إذ ضمّ جناحًا خاصًا بهم، مع غرف نوم تطل على حديقةٍ أكثر هدوءًا، وممرات داخلية تربط الأجنحة وتمنح المكان سلاسة الحركة، وبعض الغرف زُوّدت بقباب داخلية مزخرفة، مما يضيف إحساسًا بالرحابة والترف، ويجعل السقف جزءًا من المشهد لا مجرد غطاءٍ له. وحتى أبوابه الخارجية كانت خشبية متينة مزخرفة، تشرف على ساحة خارجية تقود إلى بيوت آل الشمعة المحيطة بالقصر.

هذا الحضور الاجتماعي لم يكن تفصيلًا ثانويًا؛ فالقصر كان مركزًا لاستقبال الشخصيات المهمة، ويُذكر أنه عند زيارة إمبراطور ألمانيا غليوم الثاني إلى دمشق عام 1898 أُقيمت له مأدبة غداء في قصر آل الشمعة، وفُرش السجاد الأحمر في الطرق المؤدية إليه.

وإلى جانب الوجاهة، كان للقصر وجهٌ إنسانيٌ واضح؛ إذ ارتبط باسم أحمد باشا الشمعة وأعماله في رعاية الأيتام والفقراء، حيث ترأس دار الإصلاح لرعاية الأيتام وتعليمهم، حتى عُرف بـ“كهف الأرامل واليتامى والفقراء”. هنا يصبح القصر أكثر من مكانٍ للترف: يصبح شاهدًا على معنى اجتماعيٍّ كانت دمشق تتقنه، حين تجمع بين الفخامة والرحمة في مساحةٍ واحدة.

ولا تكتمل الحكاية دون ذكر ما جاور القصر حمّام الشمعة، وهو حمّام دمشقي تقليدي في حي القنوات يعود بناؤه إلى أواخر القرن التاسع عشر. بناه أحمد رفيق باشا الشمعة ليخدم سكان القصر والحي معًا، فصار جزءًا من النسيج الاجتماعي والثقافي للمنطقة. قبةٌ تسمح بدخول الضوء الطبيعي عبر فتحاتٍ صغيرة، رخامٌ في الأرضيات والجدران، ونقوشٌ عربية تضفي على المكان فخامةً لا تُلغي بساطته؛ وكأن الحمّام يقول إن الحياة الدمشقية كانت تعرف كيف تمنح حتى تفاصيلها اليومية طابعًا جماليًا.
وأنا كاتبة هذه السطور لطالما زرت عين المكان مراتٍ عديدة أتأمل ماض كان مجيدا واليوم بات أثرا بعد عين.

تم إعداد الصور حسب الوصف للدقيق للقصر من قبل Ai

الاثنين، 16 فبراير 2026

يوسف دهمان 1959-2013م

حيث أرخت روابي كفرسوسة بظلالها الخضر على ضفاف دمشق الفيحاء امتلك مزارع بسيط بيتًا ريفيًا صغيرًا، جاورته قطعة أرض مزروعة بأشجار الزيتون منحت لمالكها عيشاً كريماً، وفيما بعد انتقلت أملاك الحاج أبو يوسف إلى نجليه بما فيها صندوق خشبي حمل بين ألواحه رائحة السنين ودفءَ الذكريات. عزم الأخ الأكبر يوسف (١٩٥٩-٢٠١٣م) على إصلاحه، في حين أشار أخوه ببيعه، تأمل يوسف الصندوق طويلاً حتى خُيّل إليه أن الخشب يتنفس، وأن الصمت ينفرج عن همسٍ خافت.

همس الصندوق بصوتٍ يشبه حفيف أوراق الزيتون:

«يا يوسف، أنا رفيق والدك، قضينا معًا سنواتٍ من الشقاء والنقاء، احتضنتُ كل أسراره. واليوم ما أنا إلا صندوق ذكريات مرصّع بمحارٍ بحري، تتلألأ صدفاتي كضوء قمرٍ جميل، لكن الأيام قد انهكت جسدي.


استفاق يوسف من شروده. تمتم في نفسه:

أيمكن لصندوقٍ أن يبوح لي بسره؟


ليأتيه الجواب كنسمةٍ دافئة:

«نعم، أشكو إليك ضعفي وقلة حيلتي. انظر إليّ كروحٍ أتعبها الزمان».


عندها شعر يوسف بشيءٍ ينبت في صدره، كأن الرحمة جذعٌ أخضر شقّ طريقه في قلبه. جرّ الصندوق إلى مكانٍ أكثر دفئًا، غطّاه بملاءةٍ بيضاء، وربّت على غطائه كما يُربّت على كتف صديقٍ قديم.


في تلك الليلة، لم يُغمض له جفن. فكلما تقلّب في فراشه أحسن بأنين الصندوق خشية الفراق، ومع خيوط الفجر الأولى مضى إلى قلب المدينة القديمة، إلى دمشق التي كانت في خمسينيات القرن المنصرم تعجّ بورش حرفٍ تنبض بالحياة، وتتنفس فناً عائلياً موروثاً.


هناك، بين الأزقة العتيقة، ولشهور؛تعرّف إلى عالم صناعة الأثاث الخشبي المعشّق بالصدف، تنقّل يوسف بين الورش، يطرق الأبواب بخشوع التلميذ، حتى قبله أحد شيوخ الكار تلميذًا عنده. وعلى مدار شهورٍ طويلة، تعلّم كيف يُصغي للخشب، كيف ينتقي الأجود منه كيف يحفر فيه زخارف هندسية ونباتية، وكيف يُنزل خيوط القصدير والفضة بين خطوط الرسم، ثم يرصّع الخشب بالصدف بكل دقة وإتقان.

عاد يوسف إلى صندوق أبيه، لا كمالكٍ عابر، بل كحرفيٍّ عاشق. أصلحه، أعاد إليه نضارته، وكأنهما أعادا إلى بعضهما الحياة: الصندوق استعاد بريقه، ويوسف اكتشف ذاته. ومن تلك اللحظة، وُلد أحد أشهر حرفيي دمشق في هذا الفن… يوسف دهمان، أبو عصام.


واليوم، أصلُ باكرًا إلى حيّ جرمانا، أحمل في قلبي حكاية الصندوق وأبحث عن امتدادها. منذ الدخول إلى الحيّ، يتسلل إلى النفس شيءٌ من الحزن؛ آثار زمنٍ ثقيل ما زالت جاثمة، كندبةٍ على وجه المكان.


نتابع السير بين الأزقة حتى نصل إلى مشغل الإخوة دهمان. ورشةٌ متواضعة، باردةٌ بعض الشيء، يلفّها شيءٌ من العتمة. لكن ما إن تقع العين على قطع الخشب المصدف حتى يتبدّد الظلام؛ الصدف يلمع، والزخارف تنبض بالحياة، وكأن الضوء يخرج من قلب الخشب نفسه.


كان أبو عصام حاضرًا رغم غيابه عن الدنيا، رحمه الله. حضوره يتجلى في مهارة أبنائه الثلاث، في صبرهم على الخطوط الدقيقة، في احترامهم لنوع الخشب قبل لمسه. لقد علّمهم كيف يفرقون بين خشب الجوز والزان، كيف يحفرون الزخارف الهندسية والنباتية، كيف يُدخلون خيوط القصدير بدقةٍ بين تجاويف الرسم، ثم يُنزلون الصدف ليكتمل المشهد بفنٍ راقٍ.


يقول الابن الأكبر، عصام:

«بعد إتقانه الحرفة اقتنى والدي ورشةً صغيرةً مجاورة لمنزلنا. كنا نعود من المدرسة فننجز واجباتنا أولًا، فقد كان حريصًا على تعليمنا. ثم نذهب إلى ورشته، ليتابع هو تعليمنا فنون الرسم والحفر، وكيفية إنزال المادة الرئيسة داخل الخشب».


وهكذا، لم يكن الصندوق مجرد قطعة أثاث، بل كان بداية حكاية عشقٍ بين إنسانٍ وموروث، بين ذاكرةٍ ومهنة، بين أبٍ وأبنائه. حكاية تقول إن الأشياء التي نمنحها حبّنا… تعود فتمنحنا معنى، وتُخلّد أسماءنا في موطننا الذي نعشق.

السبت، 31 يناير 2026

دمشقيون في ذاكرة الوطن

أطباء موسويون دمشقيون

لطالما أعطى حي اليهود الدمشقي شخصيات اتسمت بالعلم والمعرفة، سواء في مجال الاقتصادية والسياسة والعلوم ومن أشهر موسويي دمشق الدكتور ڤيكتور فريوة. 

وُلد في دمشق، وتلقى تعليمه في مدارسها، ليكون أحد جريجي طب دمشق. 

كرّس جلّ حياته لعلاج مرضاه من مختلف الطوائف دون تمييز، ليكون مثالاً للطبيب المخلص لمهنته والوفي لرسالته الإنسانية.

افتتح عيادته في مدينته دمشق، وخصّ ذوي الأحوال المتواضعة بعناية استثنائية، فكان يعالجهم مجاناً أو لقاء أجر رمزي، إضافة إلى تقديم الأدوية لهم.

ذاع صيته في دمشق وريفها، وأحبه كل من عرفه لما تحلّى به من سموّ الأخلاق، والتواضع، والحرص الصادق على مرضاه، موسوي الديانة، دمشقيّ الأصالة والانتماء.


عملت شقيقته سارة مساعدةً له في تنظيم دخول المرضى إلى العيادة. وبفضل لطفها وذاكرتها القوية، نالت محبة المراجعين جميعاً، إذ كانت تحفظ أسماء المرضى وأفراد عائلاتهم، لتسأل عن أحوالهم لاحقاً، كما أدّت دور السكرتيرة في تنظيم المواعيد واستقبال المرضى والتحاور معهم والاستفسار عن أقربائهم ممن سبق لهم زيارة العيادة.


وقعت العيادة في شارع اليهود الرئيسي (شارع الأمين حالياً)، وكانت تغصّ بمرضى ريف دمشق، حتى إن عدد مراجعيه كان يتجاوز المئتي مريض يومياً. ووفق شهادة أحد مرضاه، كانت الأسرة بأكملها تقصد عيادته، وكانت شقيقته سارة تستقبلهم وتسأل عن جميع أفراد العائلة وترحب بهم.

تميّز الدكتور فريوة بإجادته لهجات متعددة من مختلف المحافظات السورية، فكان يخاطب كل مريض بلهجته، حتى ليظنّ السامع أنه من أبناء منطقته.


غادر الدكتور فريوة دمشق في تسعينيات القرن الماضي إلى الولايات المتحدة الأمريكية (نيويورك)، ولا يزال حتى اليوم يزاول مهنة الطب بكل نزاهة، رغم تقدمه في العمر. وقد كُرِّم من قبل الجالية اليهودية السورية في فلوريدا، وعندما سُئل عن عدد مرضاه، أجاب: «مليونا مريض، مليون في مدينتي دمشق، ومليون في نيويورك».


يليه الدكتور نسيم حاصباني، الذي امتلك عيادة في منطقة باب شرقي بدمشق. كانت غالبية مرضاه من المناطق المحيطة بالعيادة، ولا سيما باب توما والقصاع، إضافة إلى مرضى حارة اليهود. وقد أجمع كل من قصده، على اختلاف انتمائه الطائفي، على مهارته في علم التداوي. أحبه الجميع لما عُرف به من لطف وبشاشة في استقبال مرضاه، واحترمه محيطه حتى بات صديقاً لعائلات كثيرة منهم. هاجر إلى نيويورك، حيث توفي عام 2000 بعد مسيرة طويلة في مهنة الطب.


وفاقهما شهرةً الدكتور إيزاك طوطح، الذي عُرف في الحي الموسوي بدمشق (حي اليهود) وبراعته في الطب الداخلي. كان يعالج مرضاه نفسياً بروحه المرحة قبل الشروع في علاجهم سريرياً، وغالباً ما كان يتابع الحالات المتقدمة في دار الشفاء والمشفى الفرنسي.

أبهر الجميع بحبه لمهنته ومرضاه، فقصد عيادته القاصي والداني طلباً للاستشفاء، ومن بينهم كاتبة هذه السطور، التي لم تحتج إلا لزيارة واحدة. رحمه الله، فقد أحبه أهل الشام وريفها لطيب خلقه وحسن معاشرته.


امتلك ثلاث عيادات: الأولى في الشارع الرئيسي لحي اليهود، والثانية في حي القصاع، وقد خصّ الأولى لخدمة المحتاجين، فكان يستقبل مرضاه أيام الأحد والثلاثاء والخميس من كل أسبوع، بدءاً من الساعة الثالثة بعد الظهر، ويستمر في عمله حتى انتهاء آخر مريض.

لم يكن يتقاضى أجراً من فقراء الحي، وكان يرافقه الصيدلي بولس الذي كان يقدّم الأدوية مجاناً. ولم يكن بولس يهودياً، بل نصرانياً، في مشهد يعكس عمق التجانس والتآخي بين الطائفة الموسوية وبقية الطوائف في دمشق.


أصيب الدكتور طوطح بداء عضال، وعندما وافته المنية، خرج حشد غفير ممن عرفوه في وداعه إلى مثواه الأخير، في مشهد مؤثر يعبّر عن محبة الناس له ومكانته في قلوبهم.


أما الدكتور جميل ربيع، فقد عُرف أيضاً في الحي اليهودي، وامتلك عيادتين: الأولى في حيه، والثانية في حي الصالحية، التي كان يؤمها مرضى الصالحية ومحيطها. وكان، في الغالب، لا يتقاضى أجراً من المرضى الذين يزورونه في عيادته بحارة اليهود.


الاثنين، 19 يناير 2026

من بركة الشام الحاج سامي محفوظ




من سكان حي العمارة عُرف بالصلاح والأمانة وحبه الخير للبعيد قبل القريب.

عمل بالتجارة وامتلك متجراً كبيراً في منطقة حمام القيشاني الذي يقع خلف الجامع الأموي يقول الراوي بأن الحاج سامي دخل دكان جاره (والد الراوي) ليقول له قد راجعت الأوراق الرسمية التي دلت على امتلاكي أنا لمتجري، ولكن حسب والدي الذي أكد لي بأن متجري هو ملك لوالدك أنت ولو أنني أحمل الأوراق الرسمية بامتلاكي له ولكني أيقنت بأنه لك، وعليه أود أن نذهب معا للطابو لأفرغه لك لأنني أخشى الحياة والموت فتوجه الاثنان وتم الإفراغ للجار، استمع الحاج سامي إلى وصية والده فأعاد المتجر إلى جاره ولو أن الأخير لم يكن يعلم بأنه يمتلك ذلك المكان، إن دلت القصة على شيء تدل على الصلاح والأمانة التي امتلكها الحاج سامي محفوظ رحمه الله وأوسع له.


تعود جذور آل محفوظ إلى قبيلة بني أسد بن خزيمة، إحدى القبائل العدنانية العريقة، وينتهي نسبهم إلى الصحابي الجليل حبيب بن مظاهر الأسدي، رمز الوفاء والشجاعة في الذاكرة الإسلامية.

ويبرز في تاريخهم العلمي اسم شمس الدين محفوظ بن وشاح الأسدي الحلّي، أحد أعلام القرن السابع الهجري، الذي عاش في مدينة الحلّة، تلك الحاضرة العلمية الكبرى التي تستقطب طلاب العلم من مختلف الأمصار.


ومع تحوّلات القرون، غادر آل محفوظ العراق متجهين إلى بلاد الشام بين القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين، في إطار الهجرات العلمية والثقافية التي شكّلت ملامح المشرق. فانتشروا في مناطق لبنانية عدّة، وكان لهم حضورٌ راسخ في سورية وفلسطين، حيث استقروا وأسهموا في الحياة العامة.


وتميّز آل محفوظ بتنوّعهم الديني والاجتماعي، إذ انتمى إليهم مسلمون ومسيحيون في لبنان وسورية، فغدا الاسم جامعًا لا يقف عند حدود المذهب أو الطائفة، بل يعكس روح العيش المشترك.


برز من هذه الأسرة تجّارٌ واقتصاديون، كما خرج منها أعيان عرفوا بالعلم والفضل.


وتشير المصادر التاريخية إلى أنّ بعض علماء آل محفوظ قصدوا دمشق، عاصمة العلم والفقه آنذاك، ومركز المدارس والمساجد والقضاء الشرعي. فوجدوا فيها بيئةً حاضنة للفكر والمعرفة، فاستقروا فيها وأسهموا في نشاطها الديني والأدبي، ليستقر بعض منهم في أحيائها القديمة، كحيّ العمارة، حيث تركوا بصمتهم بهدوء العالمين ونزاهة العارفين.

أعطى آل محفوظ الحياة الدمشقية أبناء بررة حمل البعض منهم سلاح العلم وعمل آخرون بقوة في المجال التجاري والصناعي فاشتروا بصناعة الصابون والنسيج، وسيحصل الباقون العلوم فاهتم بعضهم بالسياحة واهتم آخرون بمجال السياسة والدبلوماسية.

بكري عبد القادر قدورة ١٩٠١-١٩٨٣م

 مقابلة مع السيدة ماوية بكري قدورة السبت 10-1-2026


حملت رياح أواخر القرن التاسع عشر معها كثيراً من أسر المجاهدين القادمين من شمال أفريقيا إلى بلاد الشام، فكانت دمشق إحدى أهم المحطات التي استقبلت تلك الهجرات، ولا سيما الهجرات الجزائرية والليبية التي وصلت إليها عام 1847، تزعمتها شخصيات جهادية بارزة تركت بصمتها الواضحة في الحياة السياسية والاجتماعية الدمشقية.


ومع بداية الاحتلال الإيطالي لليبيا عام 1911- 1943، شهدت بلاد الشام، ودمشق على وجه الخصوص، موجة جديدة من الهجرة الليبية، إذ دفعت ظروف القمع والمقاومة أفراداً من القبائل الليبية إلى النزوح نحو المشرق.


في هذا المناخ التاريخي والسياسي، وُلد المترجم له بكري عبد القادر قدورة في دمشق عام 1901. تلقّى تعليمه في المدارس الحكومية الدمشقية، ثم انتقل إلى جامعة إسطنبول حيث نال درجة الليسانس في الحقوق، قبل أن يعود إلى مسقط رأسه دمشق عام 1924. وهناك التحق بكليتي التاريخ والجغرافيا في الجامعة السورية، التي كانت قد تأسست قبل ذلك التاريخ بقليل.


عمل بكري قدورة في مجال التدريس، فكان أستاذاً متميزاً في مختلف العلوم التي درّسها، وأثبت كفاءة عالية أهلته ليُعيَّن لاحقاً مديراً في مديرية التربية والتعليم، وهو المنصب الذي شغله لفترةٍ طويلة. وإلى جانب عمله التربوي، انتسب إلى منظمة تحرير شمال أفريقيا، ومع ازدياد نشاط الحركة الكشفية، نُظّمت رحلات بحرية وصلت إلى شمال أفريقيا، لينضم بعدها إلى حركة التحرر العربي التي أسسها أديب الشيشكلي.









وقد تميز المترجم له ببنية جسدية قوية، ما أهّله لأن يكون عضواً مؤسساً في الكشاف السوري، إلى جانب زميليه إبراهيم زكريا وعلي دندشي. وضمن إحدى الرحلات الكشفية المتوجهة إلى ليبيا، تمكّن بكري قدورة من التواصل مع المجاهد الكبير عمر المختار، الأمر الذي لفت أنظار قوات الاحتلال الإيطالي إليه، فتم توقيفه وإخراجه من ليبيا، ليعود بعدها مبكراً إلى دمشق.


لكن أخبار تواصله مع عمر المختار كانت قد سبقته إلى العاصمة، فبادرت سلطات الانتداب الفرنسي إلى اعتقاله وإيداعه السجن، حيث أمضى فترة طويلة في الزنازين المظلمة. ومع وصول حسني الزعيم إلى سدة الحكم، أشارت التقارير الأمنية إلى تاريخ المترجم له الذي يتضمن تورطه في أعمال شغب ضد الحكم الأسبق، فأُعيد اعتقاله مرة أخرى، في قسم “السالول”، وهو المكان المخصص للمحكوم عليهم بالإعدام.


وتروي السيدة ماوية بكري قدورة أنه، وبحكم عمل والدها الطويل في مجال التعليم، تعرّف عليه أحد الضباط من تلامذته السابقين، فقام بتأمين بعض حاجياته مثل الطعام والدخان. 

وقبيل ليلة الإعدام، استطاع هذا الضابط إخراجه من السجن، فعاد مسرعاً إلى منزله، وأخذ بعض حاجياته الضرورية، ثم غادر دمشق خلسة متوجهاً إلى حماة، ومنها إلى طرابلس الغرب في ليبيا.


في طرابلس، لجأ بكري قدورة إلى الملك الورع إدريس السنوسي (1890–1983)، الذي قرّبه وعيّنه مستشاراً له، تقديراً لدوره ودعمه للحركة الوطنية الليبية. ولحقت به زوجته السيدة أمينة عمر فرحات، التي تعود أصولها إلى قبيلة الجيلاني الجزائرية الأمازيغية، وكانت قد عملت في دمشق مدرسة، إلى جانب دورها في مجال الرعاية الاجتماعية.، لتواصل وفي طرابلس مسيرتها في التربية والتعليم، لتصبح لاحقاً مفتشة في المدارس الليبية لمادة الرياضيات.


غير أن الحنين إلى دمشق لم يفارق قلب بكري قدورة، فعاد إليها في ظل رئاسة شكري القوتلي، وكان مؤمناً بوطنيته وإخلاصه. إلا أن اليأس بدأ يتسرّب إلى نفسه قبيل قيام الوحدة مع مصر، فاختار العودة مجدداً إلى طرابلس، حيث أسس جامعة في بنغازي، وتولى رئاسة إدارتها عام 1955، مستقدماً كادراً تعليمياً متميزاً من سوريا.


وفي عام 1964، طلب منه الملك إدريس السنوسي أن يكون عضواً في مجلس الشيوخ، فلبّى الطلب وبقي في هذا المنصب حتى عام 1969. عام ١٩٦٩ مع تولي معمر القذافي الحكم في ليبيا، عُرض عليه تولي وزارة في حكومته، إلا أنه رفض ذلك العرض، وفضّل العودة مرة أخرى إلى دمشق.


وخلال الفترة الممتدة بين عامي 1969 و1982، حمل المترجم له هموم أسرته وأحزانها، ولا سيما بعد وفاة نجليه عامر وعمر، رحمهما الله.


وحسب الدكتورة عنان الحفار  كان المترجم له مثقفاً راقياً، أحبه الجميع لسمو أخلاقه، وصدقه، وأمانته، وطيب معشره، راضياً بقضاء الله. وفي دمشق، المدينة التي وُلد فيها وعاد إليها مراراً وافته المنية عام 1983.

رحمه الله وجعله مع الصالحين.