الأحد، 22 فبراير 2026

قصر آل الشمعة…أيقونة دمشقية تتنفس جمالًا



في قلب دمشق العتيقة كان قصر آل الشمعة بيت دمشقي يختصر عبق تاريخ الياسمين الدمشقي، ويجمع في بين طياته فن العمارة الدمشقية، ففي زخارفه نبض حياة. 
يعود تاريخ القصر إلى القرن الثامن عشر، وقد اختار موقعه أحد كبار تجّار دمشق في تلك الحقبة، الحاج سعيد الشمعة، في نقطةٍ تشرف على أحياءٍ لها ثقلها في ذاكرة المدينة: حي القنوات، وباب السريجة، وباب الجابية. لم يكن اختيارًا عابرًا؛ بل كان كأن صاحبه أراد للقصر أن يبقى قريبًا من قلب دمشق، لا في هامشها.
وهكذا كان قصر آل الشمعة؛ بأروقته الرحبة وباحاته التي تتوسّطها الفسقيّات وتحفّها الأشجار الباسقة، بدا نموذجًا متقنًا لفن العمارة الدمشقية في أجمل صورها.
في عصره الذهبي لم يكن القصر منزلًا للعائلة فقط، بل كان فضاءً ثقافيًا تتقاطع فيه الزيارة بالمعرفة، والضيافة بالفكر. وقد وصفته الكاتبة ناديا خوست بأنه أشبه بـ“جوهرة معمارية” تتلألأ في قلب المدينة القديمة.
يحمل القصر من الداخل لغته الخاصة حيث تستقبلك الباحة الواسعة المرصوفة بالحجر المشذّب، وفي وسطها بحرة كبيرة تتوسّطها نافورة من الرخام. حول الباحة تمتد أروقة مسقوفة بأقواسٍ عربية تستند إلى أعمدةٍ حجرية متينة، ثم تتتابع القاعات الفسيحة بأسقفها العالية المزخرفة بالجص والخشب المعشّق، تتوزع فيها النقوش النباتية والهندسية التي أبدعتها أيدي فنيين دمشقيين مهرة.

تفاصيل الغرف كانت لا تقلّ سحرًا: أرضيات من الرخام الملوّن، وجدران مكسوّة بـالقيشاني الدمشقي إذ يمنح المكان برودةً لطيفة وبهاءً دائمًا. وفي الغرف الرئيسية غالبًا ما نجد شرفات تُطل على الحديقة الداخلية، لتبقى العلاقة بين الداخل والخارج مفتوحة.

وفي قلب هذا التكوين كله تبرز قاعة الاستقبال الكبرى “الإيوان”؛ قاعةٌ وُلدت لتكون عنوان القصر. تتزيّن بالفسيفساء، وتتخلّلها نوافذ الأرابيسك المشغولة بالخشب الملوّن.
وإلى جانب الإيوان، كانت بعض الغرف تضم مشالح—مجالس مرتفعة—تُهيَّأ للجلوس الطويل، وبالقرب منها مشاجب خشبية للنحاسيات والخزف.

لم يكن القصر، في امتداداته، معزولًا عن خصوصية العائلة أيضًا؛ إذ ضمّ جناحًا خاصًا بهم، مع غرف نوم تطل على حديقةٍ أكثر هدوءًا، وممرات داخلية تربط الأجنحة وتمنح المكان سلاسة الحركة، وبعض الغرف زُوّدت بقباب داخلية مزخرفة، مما يضيف إحساسًا بالرحابة والترف، ويجعل السقف جزءًا من المشهد لا مجرد غطاءٍ له. وحتى أبوابه الخارجية كانت خشبية متينة مزخرفة، تشرف على ساحة خارجية تقود إلى بيوت آل الشمعة المحيطة بالقصر.

هذا الحضور الاجتماعي لم يكن تفصيلًا ثانويًا؛ فالقصر كان مركزًا لاستقبال الشخصيات المهمة، ويُذكر أنه عند زيارة إمبراطور ألمانيا غليوم الثاني إلى دمشق عام 1898 أُقيمت له مأدبة غداء في قصر آل الشمعة، وفُرش السجاد الأحمر في الطرق المؤدية إليه.

وإلى جانب الوجاهة، كان للقصر وجهٌ إنسانيٌ واضح؛ إذ ارتبط باسم أحمد باشا الشمعة وأعماله في رعاية الأيتام والفقراء، حيث ترأس دار الإصلاح لرعاية الأيتام وتعليمهم، حتى عُرف بـ“كهف الأرامل واليتامى والفقراء”. هنا يصبح القصر أكثر من مكانٍ للترف: يصبح شاهدًا على معنى اجتماعيٍّ كانت دمشق تتقنه، حين تجمع بين الفخامة والرحمة في مساحةٍ واحدة.

ولا تكتمل الحكاية دون ذكر ما جاور القصر حمّام الشمعة، وهو حمّام دمشقي تقليدي في حي القنوات يعود بناؤه إلى أواخر القرن التاسع عشر. بناه أحمد رفيق باشا الشمعة ليخدم سكان القصر والحي معًا، فصار جزءًا من النسيج الاجتماعي والثقافي للمنطقة. قبةٌ تسمح بدخول الضوء الطبيعي عبر فتحاتٍ صغيرة، رخامٌ في الأرضيات والجدران، ونقوشٌ عربية تضفي على المكان فخامةً لا تُلغي بساطته؛ وكأن الحمّام يقول إن الحياة الدمشقية كانت تعرف كيف تمنح حتى تفاصيلها اليومية طابعًا جماليًا.
وأنا كاتبة هذه السطور لطالما زرت عين المكان مراتٍ عديدة أتأمل ماض كان مجيدا واليوم بات أثرا بعد عين.

تم إعداد الصور حسب الوصف للدقيق للقصر من قبل Ai

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق