الاثنين، 16 فبراير 2026

يوسف دهمان 1959-2013م

حيث أرخت روابي كفرسوسة بظلالها الخضر على ضفاف دمشق الفيحاء امتلك مزارع بسيط بيتًا ريفيًا صغيرًا، جاورته قطعة أرض مزروعة بأشجار الزيتون منحت لمالكها عيشاً كريماً، وفيما بعد انتقلت أملاك الحاج أبو يوسف إلى نجليه بما فيها صندوق خشبي حمل بين ألواحه رائحة السنين ودفءَ الذكريات. عزم الأخ الأكبر يوسف (١٩٥٩-٢٠١٣م) على إصلاحه، في حين أشار أخوه ببيعه، تأمل يوسف الصندوق طويلاً حتى خُيّل إليه أن الخشب يتنفس، وأن الصمت ينفرج عن همسٍ خافت.

همس الصندوق بصوتٍ يشبه حفيف أوراق الزيتون:

«يا يوسف، أنا رفيق والدك، قضينا معًا سنواتٍ من الشقاء والنقاء، احتضنتُ كل أسراره. واليوم ما أنا إلا صندوق ذكريات مرصّع بمحارٍ بحري، تتلألأ صدفاتي كضوء قمرٍ جميل، لكن الأيام قد انهكت جسدي.


استفاق يوسف من شروده. تمتم في نفسه:

أيمكن لصندوقٍ أن يبوح لي بسره؟


ليأتيه الجواب كنسمةٍ دافئة:

«نعم، أشكو إليك ضعفي وقلة حيلتي. انظر إليّ كروحٍ أتعبها الزمان».


عندها شعر يوسف بشيءٍ ينبت في صدره، كأن الرحمة جذعٌ أخضر شقّ طريقه في قلبه. جرّ الصندوق إلى مكانٍ أكثر دفئًا، غطّاه بملاءةٍ بيضاء، وربّت على غطائه كما يُربّت على كتف صديقٍ قديم.


في تلك الليلة، لم يُغمض له جفن. فكلما تقلّب في فراشه أحسن بأنين الصندوق خشية الفراق، ومع خيوط الفجر الأولى مضى إلى قلب المدينة القديمة، إلى دمشق التي كانت في خمسينيات القرن المنصرم تعجّ بورش حرفٍ تنبض بالحياة، وتتنفس فناً عائلياً موروثاً.


هناك، بين الأزقة العتيقة، ولشهور؛تعرّف إلى عالم صناعة الأثاث الخشبي المعشّق بالصدف، تنقّل يوسف بين الورش، يطرق الأبواب بخشوع التلميذ، حتى قبله أحد شيوخ الكار تلميذًا عنده. وعلى مدار شهورٍ طويلة، تعلّم كيف يُصغي للخشب، كيف ينتقي الأجود منه كيف يحفر فيه زخارف هندسية ونباتية، وكيف يُنزل خيوط القصدير والفضة بين خطوط الرسم، ثم يرصّع الخشب بالصدف بكل دقة وإتقان.

عاد يوسف إلى صندوق أبيه، لا كمالكٍ عابر، بل كحرفيٍّ عاشق. أصلحه، أعاد إليه نضارته، وكأنهما أعادا إلى بعضهما الحياة: الصندوق استعاد بريقه، ويوسف اكتشف ذاته. ومن تلك اللحظة، وُلد أحد أشهر حرفيي دمشق في هذا الفن… يوسف دهمان، أبو عصام.


واليوم، أصلُ باكرًا إلى حيّ جرمانا، أحمل في قلبي حكاية الصندوق وأبحث عن امتدادها. منذ الدخول إلى الحيّ، يتسلل إلى النفس شيءٌ من الحزن؛ آثار زمنٍ ثقيل ما زالت جاثمة، كندبةٍ على وجه المكان.


نتابع السير بين الأزقة حتى نصل إلى مشغل الإخوة دهمان. ورشةٌ متواضعة، باردةٌ بعض الشيء، يلفّها شيءٌ من العتمة. لكن ما إن تقع العين على قطع الخشب المصدف حتى يتبدّد الظلام؛ الصدف يلمع، والزخارف تنبض بالحياة، وكأن الضوء يخرج من قلب الخشب نفسه.


كان أبو عصام حاضرًا رغم غيابه عن الدنيا، رحمه الله. حضوره يتجلى في مهارة أبنائه الثلاث، في صبرهم على الخطوط الدقيقة، في احترامهم لنوع الخشب قبل لمسه. لقد علّمهم كيف يفرقون بين خشب الجوز والزان، كيف يحفرون الزخارف الهندسية والنباتية، كيف يُدخلون خيوط القصدير بدقةٍ بين تجاويف الرسم، ثم يُنزلون الصدف ليكتمل المشهد بفنٍ راقٍ.


يقول الابن الأكبر، عصام:

«بعد إتقانه الحرفة اقتنى والدي ورشةً صغيرةً مجاورة لمنزلنا. كنا نعود من المدرسة فننجز واجباتنا أولًا، فقد كان حريصًا على تعليمنا. ثم نذهب إلى ورشته، ليتابع هو تعليمنا فنون الرسم والحفر، وكيفية إنزال المادة الرئيسة داخل الخشب».


وهكذا، لم يكن الصندوق مجرد قطعة أثاث، بل كان بداية حكاية عشقٍ بين إنسانٍ وموروث، بين ذاكرةٍ ومهنة، بين أبٍ وأبنائه. حكاية تقول إن الأشياء التي نمنحها حبّنا… تعود فتمنحنا معنى، وتُخلّد أسماءنا في موطننا الذي نعشق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق