تُطلّ كلية الحقوق في جامعة دمشق كواحدةٍ من أعرق المنارات العلمية في المشرق العربي، حاملةً في ذاكرتها أكثر من قرنٍ من الزمن. فقد بدأت حكايتها في الأول من تشرين الثاني عام 1913، حين أُسِّست كمدرسةٍ للحقوق في بيروت، قبل أن تعود وتُبعث من جديد في دمشق عام 1919، لتغدو نواة التعليم القانوني الحديث في البلاد. ومع قيام الجامعة السورية عام 1923، أصبحت الكلية جزءاً أصيلاً منها، إلى أن استقر اسمها النهائي «كلية الحقوق» عام 1946.
ومنذ تلك البدايات، تعاقب على بنائها العلمي رجالٌ تركوا بصمتهم العميقة، أمثال عبد اللطيف صلاح، وسليم العطار، وعبد القادر العظم، الذين لم يكتفوا بوضع المناهج، بل أسّسوا لروحٍ أكاديميةٍ رصينة، تمزج بين أصالة الفكر القانوني وحداثته.
ومع أواخر الخمسينيات، أخذت الكلية تخطو نحو مرحلةٍ أكثر نضجاً، فباشرت عام 1959 بمنح دبلومات الدراسات العليا في القانون العام والخاص، مؤكدةً مكانتها كمركزٍ متقدمٍ للبحث والمعرفة. وفي ستينيات القرن العشرين، لمع نجم أساتذة بارزين، مثل محمد الفاضل، الذي قاد قسم القانون الجنائي ثم تولّى عمادة الكلية، وعزيز شكري، الذي رسّخ حضور القانون الدولي في مناهجها، وقد درس في الكلية الدكتور عبود السراج والدكتور رمضان البوطي.
وفي عام 1960، كانت الكلية قد استقرّت في مبناها في ثكنة الحميدية، وبلغت درجةً لافتة من التنظيم والازدهار. هناك، لم تكن القاعات مجرد أماكن للدراسة، بل فضاءات حيّة تتلاقى فيها الأفكار والطموحات. وتروي السيدة وفاء الساطع، وهي إحدى طالبات تلك المرحلة، صورةً إنسانيةً دافئة عن تلك الأيام، فتقول: «كنا نخبةً متنوعة ندرس القانون، وكان بيننا فتاةٌ جميلة، راقية المظهر، دمثة الأخلاق. لم نعرف عنها الكثير في البداية، ثم اكتشفنا لاحقاً أنها من يهود دمشق. كان تهذيبها ورقتها يجذباننا إليها».
تلك الفتاة كانت سلفي شالوح، التي لم تكن مجرد طالبةٍ في كلية الحقوق، بل كانت مثالاً للتفوق والتنوع الثقافي. فقد أتقنت عدة لغات، ودرست في معاهد متخصصة، إلى جانب عملها مدرسةً في مدرسة موسى بن ميمون التي كان تحت إدارة الأستاذ المسلم محمود الساطع في حي اليهود الذي يقول بأن تآلفاً غريباً بين إداريّ المدرسة ومعلميها كان لافتا.
لاحقاً، تابعت سلفي طريقها حتى تخرّجت من مدرسة الحقوق، حاملةً معها هذا المزيج الفريد من الثقافة والمهارة، لتقول علمت فيما بعد أنها أجادت فن الخياطة والتطريز، لتجمع بين الذوق الرفيع والعلم الواسع، لتغادر دمشق إلى الولايات المتحدة الأمريكية في العقد الثامن من القرن المنصرم لكن ذكراها بقيت حيّة، بوصفها واحدةً من بنات دمشق اللواتي حملن روحها معهن أينما ذهبن.
وهكذا بدت دمشق في تلك السنوات مدينةً تتسع للجميع، تتجاور فيها الاختلافات تحت مظلة الودّ والتعايش.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق