الاثنين، 19 يناير 2026

بكري عبد القادر قدورة ١٩٠١-١٩٨٣م

 مقابلة مع السيدة ماوية بكري قدورة السبت 10-1-2026


حملت رياح أواخر القرن التاسع عشر معها كثيراً من أسر المجاهدين القادمين من شمال أفريقيا إلى بلاد الشام، فكانت دمشق إحدى أهم المحطات التي استقبلت تلك الهجرات، ولا سيما الهجرات الجزائرية والليبية التي وصلت إليها عام 1847، تزعمتها شخصيات جهادية بارزة تركت بصمتها الواضحة في الحياة السياسية والاجتماعية الدمشقية.


ومع بداية الاحتلال الإيطالي لليبيا عام 1911- 1943، شهدت بلاد الشام، ودمشق على وجه الخصوص، موجة جديدة من الهجرة الليبية، إذ دفعت ظروف القمع والمقاومة أفراداً من القبائل الليبية إلى النزوح نحو المشرق.


في هذا المناخ التاريخي والسياسي، وُلد المترجم له بكري عبد القادر قدورة في دمشق عام 1901. تلقّى تعليمه في المدارس الحكومية الدمشقية، ثم انتقل إلى جامعة إسطنبول حيث نال درجة الليسانس في الحقوق، قبل أن يعود إلى مسقط رأسه دمشق عام 1924. وهناك التحق بكليتي التاريخ والجغرافيا في الجامعة السورية، التي كانت قد تأسست قبل ذلك التاريخ بقليل.


عمل بكري قدورة في مجال التدريس، فكان أستاذاً متميزاً في مختلف العلوم التي درّسها، وأثبت كفاءة عالية أهلته ليُعيَّن لاحقاً مديراً في مديرية التربية والتعليم، وهو المنصب الذي شغله لفترةٍ طويلة. وإلى جانب عمله التربوي، انتسب إلى منظمة تحرير شمال أفريقيا، ومع ازدياد نشاط الحركة الكشفية، نُظّمت رحلات بحرية وصلت إلى شمال أفريقيا، لينضم بعدها إلى حركة التحرر العربي التي أسسها أديب الشيشكلي.









وقد تميز المترجم له ببنية جسدية قوية، ما أهّله لأن يكون عضواً مؤسساً في الكشاف السوري، إلى جانب زميليه إبراهيم زكريا وعلي دندشي. وضمن إحدى الرحلات الكشفية المتوجهة إلى ليبيا، تمكّن بكري قدورة من التواصل مع المجاهد الكبير عمر المختار، الأمر الذي لفت أنظار قوات الاحتلال الإيطالي إليه، فتم توقيفه وإخراجه من ليبيا، ليعود بعدها مبكراً إلى دمشق.


لكن أخبار تواصله مع عمر المختار كانت قد سبقته إلى العاصمة، فبادرت سلطات الانتداب الفرنسي إلى اعتقاله وإيداعه السجن، حيث أمضى فترة طويلة في الزنازين المظلمة. ومع وصول حسني الزعيم إلى سدة الحكم، أشارت التقارير الأمنية إلى تاريخ المترجم له الذي يتضمن تورطه في أعمال شغب ضد الحكم الأسبق، فأُعيد اعتقاله مرة أخرى، في قسم “السالول”، وهو المكان المخصص للمحكوم عليهم بالإعدام.


وتروي السيدة ماوية بكري قدورة أنه، وبحكم عمل والدها الطويل في مجال التعليم، تعرّف عليه أحد الضباط من تلامذته السابقين، فقام بتأمين بعض حاجياته مثل الطعام والدخان. 

وقبيل ليلة الإعدام، استطاع هذا الضابط إخراجه من السجن، فعاد مسرعاً إلى منزله، وأخذ بعض حاجياته الضرورية، ثم غادر دمشق خلسة متوجهاً إلى حماة، ومنها إلى طرابلس الغرب في ليبيا.


في طرابلس، لجأ بكري قدورة إلى الملك الورع إدريس السنوسي (1890–1983)، الذي قرّبه وعيّنه مستشاراً له، تقديراً لدوره ودعمه للحركة الوطنية الليبية. ولحقت به زوجته السيدة أمينة عمر فرحات، التي تعود أصولها إلى قبيلة الجيلاني الجزائرية الأمازيغية، وكانت قد عملت في دمشق مدرسة، إلى جانب دورها في مجال الرعاية الاجتماعية.، لتواصل وفي طرابلس مسيرتها في التربية والتعليم، لتصبح لاحقاً مفتشة في المدارس الليبية لمادة الرياضيات.


غير أن الحنين إلى دمشق لم يفارق قلب بكري قدورة، فعاد إليها في ظل رئاسة شكري القوتلي، وكان مؤمناً بوطنيته وإخلاصه. إلا أن اليأس بدأ يتسرّب إلى نفسه قبيل قيام الوحدة مع مصر، فاختار العودة مجدداً إلى طرابلس، حيث أسس جامعة في بنغازي، وتولى رئاسة إدارتها عام 1955، مستقدماً كادراً تعليمياً متميزاً من سوريا.


وفي عام 1964، طلب منه الملك إدريس السنوسي أن يكون عضواً في مجلس الشيوخ، فلبّى الطلب وبقي في هذا المنصب حتى عام 1969. عام ١٩٦٩ مع تولي معمر القذافي الحكم في ليبيا، عُرض عليه تولي وزارة في حكومته، إلا أنه رفض ذلك العرض، وفضّل العودة مرة أخرى إلى دمشق.


وخلال الفترة الممتدة بين عامي 1969 و1982، حمل المترجم له هموم أسرته وأحزانها، ولا سيما بعد وفاة نجليه عامر وعمر، رحمهما الله.


وحسب الدكتورة عنان الحفار  كان المترجم له مثقفاً راقياً، أحبه الجميع لسمو أخلاقه، وصدقه، وأمانته، وطيب معشره، راضياً بقضاء الله. وفي دمشق، المدينة التي وُلد فيها وعاد إليها مراراً وافته المنية عام 1983.

رحمه الله وجعله مع الصالحين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق