مقابلة مع السيد محمد موفق العسلي من مواليد المنطقة عصر يوم الاثنين ٩-٣-٢٠٢٦
زقاق الصخر… حكاية حيّ دمشقي بين الماء والصخر
بين ساحة الأمويين والربوة، وعلى كتف المرتفع الذي يطلّ على دمشق يمتد حيّ زقاق الصخر. سُمّي بهذا الاسم لأن الأرض هناك كانت صخرية، تشهد على طبيعة المكان قبل أن تمسّه يد العمران. نشأ الحي في القرن التاسع عشر، ومنذ نحو مئتي عام أخذ يتشكل بهدوء، حتى صار مع الزمن واحداً من الأحياء المحببة للعائلات الدمشقية.
كان الهواء في زقاق الصخر صافياً عليلاً، وكأن نسيم الربوة يمرّ به كل صباح ليغسل تعب المدينة. ومن هناك كانت العين ترى دمشق ممدودة تحتها، بقبابها ومآذنها وبساتينها.
لم يكن جمال المكان في موقعه فقط، بل في مياهه أيضاً. فقد كانت الأنهار الصغيرة تتفرع في تلك الأرض، فتروي الحقول والبساتين. مرّ في المنطقة نهر المزاوي، الذي كان يُعرف بالقناية لأنه يعبر الجبال عبر الأقنية، كما مرّ نهر الديراني الذي كان يسقي داريا، إضافة إلى بانياس وبردى والقنوات ونهر تورا ونهر يزيد. وكانت المياه يومها نقية صافية، حتى إن الناس كانوا يشربون منها مباشرة قبل أن تتغير أحوال الزمان.
وفي أطراف المكان كانت الحقول الخضراء تمتد، خاصة في الوادي المطل على ما يُعرف اليوم بحديقة تشرين، وهو وادي عتمة الذي كان مليئاً بالبساتين.
أما معالم الحي، فكانت تشهد على حياة دمشقية هادئة.
ففيه مساجد قديمة، مثل مسجد أمين الخجا الذي بناه فهمي بن أمين الخجا قبل أكثر من مئة عام. كما يوجد مسجد كيوان، ومسجد الطيب الذي كان يُعرف قديماً بجامع حافظ، ويُنتظر افتتاح مسجد المدينة الجامعية قريباً.
وفي زقاق الصخر كانت المسابح أيضاً جزءاً من حياة المكان. فقد أنشئ مسبح المزة على يد محمد أفندي الخجا، وكان في الأصل معملاً قبل أن تحوّله السلطات الفرنسية إلى مسبح. وهناك أيضاً مسبح الصلح الذي كان يرتاده الأجانب، ومسبح استريانا. وقد اشتهرت هذه المسابح بنظافة مياهها وصفائها.
أما البيوت، فكانت بيوتاً دمشقية واسعة، تسكنها عائلات معروفة. ومن أشهرها بيت البارودي وبيت العطار وبيت القباني. وكان أمام بيت القباني سبيل ماء ومخبز تنور يدوي، يملكه أهل الدار ويقصده الجيران.
وقد سكنت في زقاق الصخر عائلات دمشقية عريقة، مثل القباني والعظم والصلاحي والعتقي وعبد الباقي والمجلد والخجا والسادات والتكريتي وعابدين والقربي وبدوي والخولي والشاغوري وفتوح والمجدلاني وبعلبكي والبارودي وغنمة والحصري وخليفة وسعد الدين وقيسي وآل الساسا وغيرهم. كما أقامت في الحي بعض الأسر التركية. ومن الشخصيات التي عُرفت فيه أبو خليل القباني، وعبد الرحمن العظم، ومدير مطار المزة السابق راشد الكيلاني.
وفي تلك الأرض أيضاً قامت لاحقاً المدينة الجامعية. فقد كانت بعض أراضيها ملكاً لعدد من أبناء المنطقة، مثل صادق ملص وسعيد مرمر المزاوي، إضافة إلى عائلات دمشقية أخرى. ثم آلت هذه الأراضي إلى الدولة، وأُقيم عليها المشروع الذي افتُتح في عهد الرئيس جمال عبد الناصر. ويُروى أن القارئ الشهير عبد الباسط عبد الصمد تلا القرآن في حفل التدشين، يوم نُصبت منصة خشبية مفروشة بالسجاد الفاخر ليقف عليها الرئيس أمام الحضور.
ومع مرور السنوات صار المكان أشبه بمجمع علمي، لكثرة المدارس التي قامت فيه، مثل روضة الأمل وندوة الطفل ومدرسة مجدل للفلسطينيين ومدرسة العروبة وغيرها.
أما حركة الحياة قديماً، فكانت أبسط بكثير مما نراه اليوم. ففي ستينيات القرن الماضي لم تكن السيارات تملأ الطرقات، بل كانت العربات التي تجرها الخيول هي وسيلة النقل المعتادة. وكان المارة يشاهدون أحياناً حزم نبات القنب القادمة من الغوطة، حيث كانت تُصنع منها الحبال المختلفة، ومنها الحبال السميكة التي كانت تُستخدم في السفن.
ومع الزمن ظهرت في المنطقة أسماء شعبية لأماكنها، مثل الفتالة التي سُمّيت نسبة إلى رجل أقام كشكاً يبيع المرطبات والمشروبات الساخنة وكان يقصده سائقو الباصات، وكذلك حارة الزيات التي ارتبط اسمها بالمحسن الدمشقي محمد الزيات.
وقطن في عين المكان أحد مجاذيب دمشق الذي عدّ من بركة المكان (أبو العباس).
وهكذا بقي زقاق الصخر حياً يحمل ذاكرة دمشق، بين الماء القديم والصخر الصامت، وبين البيوت التي عاشت فيها عائلات المدينة جيلاً بعد جيل. ورغم ما تغيّر من عمران وحداثة، ما زال في المكان شيء من روحه الأولى… روح دمشق التي لا تشيخ.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق