الخميس، 2 أبريل 2026

دفءٌ لا يزول

تمضي الأيام، وتبقى بعض اللحظات

ساكنة في القلب، لا يغيّرها زمن، ولا يطفئها غياب.


صباحٌ هادئ…

شمسٌ خجولة تتسلل بين غيماتٍ ساكنة، ومطرٌ خفيف ينهمر برفق، كأنّه يهمس للأرض ولا يوقظها.

جلستُ بصمت أمام نافذة غرفتي،

أصغي لصوت المطر وهو ينساب، فإذا بالذاكرة تفتح بابها دون استئذان.


أتذكر يومها أني كنتُ في الرابعة من عمري…

أمشي إلى جانب أمي، وهي تحمل البقجة بيدها، ونحن خلفها، أنا وإخوتي، نعبر الأزقة الضيقة بخطواتٍ صغيرة.

لم أكن أعرف الطريق، لكنني كنت أشعر بالأمان… ما دامت هي أمامنا.

لنصل إلى باب الحمّام.


لا تحضرني التفاصيل كاملة، بل ومضات ناعمة:

أرضية رخامية مبللة بلونٍ زهريّ خفيف، جرن واسع، والماء يتدفق فيه بلا انقطاع…

أصوات خافتة، تختلط بهمس البخار، فتغدو كأنها سرّ المكان.


في الداخل، كان كل شيء مختلفاً…

دفء يحيط بالجسد برفق، وبخار يتصاعد فيهدّئ الحواس، ويجعل العالم خارج الجدران بعيداً جداً.

الماء الساخن، ورائحة الصابون، ولمعان الحجر… كلها كانت تصنع عالماً صغيراً، دافئاً، يشبه الحلم.


كان فرحي بسيطاً، وعميقاً، وكأنني داخل مكان ينتمي إلى خيالي الطفوليّ النقي.


واليوم…

تعود أمي إلى ذاكرتي مع هذا المطر.


رحمها الله…

كم كانت حنونة، وكم كانت تخاف علينا بصمت، دون أن تقول شيئاً.

أخذتنا إلى ذلك الدفء، ولم نكن نعلم أنها هي الدفء كله.

في نهاية المطاف أتذكر أنها وضعت في الماء شيئا يشبه التراب له رائحة طيبة كم كنت جميلة يا أمي، بالرغم من طول فترة الغياب إلا أنك تسكنين أعماق الذاكرة.


وبمناسبة الحمام فدمشق تحتضن مئات الحمامات منذ ما قبل التاريخ، اندثرت في الغالب ولكن ما بقي منها يذكر بما كان في العصور الغابرة وعليه تتكون الحمامات من فسحة استقبال بسيطة, يليها

 البرّاني، يتبعه مكان فسيح حيث الضوء يتسلل من القباب العالية عبر فتحات صغيرة، فيرسم دوائر من النور على الأرض الرخامية. هنا يجلس الزوار على المصاطب، يتبادلون الأحاديث، يحتسون الشاي أو القهوة، وتُخلع الثياب بهدوء وكأنها طقس انتقال من عالم إلى آخر.


 ليتبعه الوسطاني، حيث تبدأ الحرارة بالتصاعد تدريجياً. الهواء دافئ، والبخار الخفيف يلامس الوجه، والأرضية دافئة.


أما الجواني، فهو قلب الحمّام النابض. هنا يشتد البخار حتى يكاد يحجب الرؤية، الحرارة عالية، والماء يتدفق من الصنابير على الأجران بطاساتها التي تلعب مع الماء المتدفق.


كان في الحمّام فريق متكامل من العاملين، لكلٍ منهم دوره، من صاحب الحمّام إلى من يستقبل الزوار، والقميمي الذي يشعل النار في بيت النار (الأتون) ليحافظ على حرارة المياه والبخار. والقهوجي الذي يقدم الشراب في البرّاني، والسقّا الذي ينقل الماء، والمدلّك الذي يمنح الزبون لحظة استرخاء عميقة.


لم يكن الحمّام مجرد مكان للاغتسال، بل كان مساحة للقاء، عالم من البخار والضوء، من الماء والحجر، ومن الزائرين الذين جعلوا منه جزءاً لا يتجزأ من روح دمشق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق