أطباء موسويون دمشقيون
لطالما أعطى حي اليهود الدمشقي شخصيات اتسمت بالعلم والمعرفة، سواء في مجال الاقتصادية والسياسة والعلوم ومن أشهر موسويي دمشق الدكتور ڤيكتور فريوة.
وُلد في دمشق، وتلقى تعليمه في مدارسها، ليكون أحد جريجي طب دمشق.
كرّس جلّ حياته لعلاج مرضاه من مختلف الطوائف دون تمييز، ليكون مثالاً للطبيب المخلص لمهنته والوفي لرسالته الإنسانية.
افتتح عيادته في مدينته دمشق، وخصّ ذوي الأحوال المتواضعة بعناية استثنائية، فكان يعالجهم مجاناً أو لقاء أجر رمزي، إضافة إلى تقديم الأدوية لهم.
ذاع صيته في دمشق وريفها، وأحبه كل من عرفه لما تحلّى به من سموّ الأخلاق، والتواضع، والحرص الصادق على مرضاه، موسوي الديانة، دمشقيّ الأصالة والانتماء.
عملت شقيقته سارة مساعدةً له في تنظيم دخول المرضى إلى العيادة. وبفضل لطفها وذاكرتها القوية، نالت محبة المراجعين جميعاً، إذ كانت تحفظ أسماء المرضى وأفراد عائلاتهم، لتسأل عن أحوالهم لاحقاً، كما أدّت دور السكرتيرة في تنظيم المواعيد واستقبال المرضى والتحاور معهم والاستفسار عن أقربائهم ممن سبق لهم زيارة العيادة.
وقعت العيادة في شارع اليهود الرئيسي (شارع الأمين حالياً)، وكانت تغصّ بمرضى ريف دمشق، حتى إن عدد مراجعيه كان يتجاوز المئتي مريض يومياً. ووفق شهادة أحد مرضاه، كانت الأسرة بأكملها تقصد عيادته، وكانت شقيقته سارة تستقبلهم وتسأل عن جميع أفراد العائلة وترحب بهم.
تميّز الدكتور فريوة بإجادته لهجات متعددة من مختلف المحافظات السورية، فكان يخاطب كل مريض بلهجته، حتى ليظنّ السامع أنه من أبناء منطقته.
غادر الدكتور فريوة دمشق في تسعينيات القرن الماضي إلى الولايات المتحدة الأمريكية (نيويورك)، ولا يزال حتى اليوم يزاول مهنة الطب بكل نزاهة، رغم تقدمه في العمر. وقد كُرِّم من قبل الجالية اليهودية السورية في فلوريدا، وعندما سُئل عن عدد مرضاه، أجاب: «مليونا مريض، مليون في مدينتي دمشق، ومليون في نيويورك».
يليه الدكتور نسيم حاصباني، الذي امتلك عيادة في منطقة باب شرقي بدمشق. كانت غالبية مرضاه من المناطق المحيطة بالعيادة، ولا سيما باب توما والقصاع، إضافة إلى مرضى حارة اليهود. وقد أجمع كل من قصده، على اختلاف انتمائه الطائفي، على مهارته في علم التداوي. أحبه الجميع لما عُرف به من لطف وبشاشة في استقبال مرضاه، واحترمه محيطه حتى بات صديقاً لعائلات كثيرة منهم. هاجر إلى نيويورك، حيث توفي عام 2000 بعد مسيرة طويلة في مهنة الطب.
وفاقهما شهرةً الدكتور إيزاك طوطح، الذي عُرف في الحي الموسوي بدمشق (حي اليهود) وبراعته في الطب الداخلي. كان يعالج مرضاه نفسياً بروحه المرحة قبل الشروع في علاجهم سريرياً، وغالباً ما كان يتابع الحالات المتقدمة في دار الشفاء والمشفى الفرنسي.
أبهر الجميع بحبه لمهنته ومرضاه، فقصد عيادته القاصي والداني طلباً للاستشفاء، ومن بينهم كاتبة هذه السطور، التي لم تحتج إلا لزيارة واحدة. رحمه الله، فقد أحبه أهل الشام وريفها لطيب خلقه وحسن معاشرته.
امتلك ثلاث عيادات: الأولى في الشارع الرئيسي لحي اليهود، والثانية في حي القصاع، وقد خصّ الأولى لخدمة المحتاجين، فكان يستقبل مرضاه أيام الأحد والثلاثاء والخميس من كل أسبوع، بدءاً من الساعة الثالثة بعد الظهر، ويستمر في عمله حتى انتهاء آخر مريض.
لم يكن يتقاضى أجراً من فقراء الحي، وكان يرافقه الصيدلي بولس الذي كان يقدّم الأدوية مجاناً. ولم يكن بولس يهودياً، بل نصرانياً، في مشهد يعكس عمق التجانس والتآخي بين الطائفة الموسوية وبقية الطوائف في دمشق.
أصيب الدكتور طوطح بداء عضال، وعندما وافته المنية، خرج حشد غفير ممن عرفوه في وداعه إلى مثواه الأخير، في مشهد مؤثر يعبّر عن محبة الناس له ومكانته في قلوبهم.
أما الدكتور جميل ربيع، فقد عُرف أيضاً في الحي اليهودي، وامتلك عيادتين: الأولى في حيه، والثانية في حي الصالحية، التي كان يؤمها مرضى الصالحية ومحيطها. وكان، في الغالب، لا يتقاضى أجراً من المرضى الذين يزورونه في عيادته بحارة اليهود.









