الخميس، 2 أبريل 2026

زقاق الصخر

 مقابلة مع السيد محمد موفق العسلي من مواليد المنطقة عصر يوم الاثنين ٩-٣-٢٠٢٦


زقاق الصخر… حكاية حيّ دمشقي بين الماء والصخر


بين ساحة الأمويين والربوة، وعلى كتف المرتفع الذي يطلّ على دمشق يمتد حيّ زقاق الصخر. سُمّي بهذا الاسم لأن الأرض هناك كانت صخرية، تشهد على طبيعة المكان قبل أن تمسّه يد العمران. نشأ الحي في القرن التاسع عشر، ومنذ نحو مئتي عام أخذ يتشكل بهدوء، حتى صار مع الزمن واحداً من الأحياء المحببة للعائلات الدمشقية.


كان الهواء في زقاق الصخر صافياً عليلاً، وكأن نسيم الربوة يمرّ به كل صباح ليغسل تعب المدينة. ومن هناك كانت العين ترى دمشق ممدودة تحتها، بقبابها ومآذنها وبساتينها.


لم يكن جمال المكان في موقعه فقط، بل في مياهه أيضاً. فقد كانت الأنهار الصغيرة تتفرع في تلك الأرض، فتروي الحقول والبساتين. مرّ في المنطقة نهر المزاوي، الذي كان يُعرف بالقناية لأنه يعبر الجبال عبر الأقنية، كما مرّ نهر الديراني الذي كان يسقي داريا، إضافة إلى بانياس وبردى والقنوات ونهر تورا ونهر يزيد. وكانت المياه يومها نقية صافية، حتى إن الناس كانوا يشربون منها مباشرة قبل أن تتغير أحوال الزمان.


وفي أطراف المكان كانت الحقول الخضراء تمتد، خاصة في الوادي المطل على ما يُعرف اليوم بحديقة تشرين، وهو وادي عتمة الذي كان مليئاً بالبساتين.


أما معالم الحي، فكانت تشهد على حياة دمشقية هادئة.

ففيه مساجد قديمة، مثل مسجد أمين الخجا الذي بناه فهمي بن أمين الخجا قبل أكثر من مئة عام. كما يوجد مسجد كيوان، ومسجد الطيب الذي كان يُعرف قديماً بجامع حافظ، ويُنتظر افتتاح مسجد المدينة الجامعية قريباً.


وفي زقاق الصخر كانت المسابح أيضاً جزءاً من حياة المكان. فقد أنشئ مسبح المزة على يد محمد أفندي الخجا، وكان في الأصل معملاً قبل أن تحوّله السلطات الفرنسية إلى مسبح. وهناك أيضاً مسبح الصلح الذي كان يرتاده الأجانب، ومسبح استريانا. وقد اشتهرت هذه المسابح بنظافة مياهها وصفائها.


أما البيوت، فكانت بيوتاً دمشقية واسعة، تسكنها عائلات معروفة. ومن أشهرها بيت البارودي وبيت العطار وبيت القباني. وكان أمام بيت القباني سبيل ماء ومخبز تنور يدوي، يملكه أهل الدار ويقصده الجيران.


وقد سكنت في زقاق الصخر عائلات دمشقية عريقة، مثل القباني والعظم والصلاحي والعتقي وعبد الباقي والمجلد والخجا والسادات والتكريتي وعابدين والقربي وبدوي والخولي والشاغوري وفتوح والمجدلاني وبعلبكي والبارودي وغنمة والحصري وخليفة وسعد الدين وقيسي وآل الساسا وغيرهم. كما أقامت في الحي بعض الأسر التركية. ومن الشخصيات التي عُرفت فيه أبو خليل القباني، وعبد الرحمن العظم، ومدير مطار المزة السابق راشد الكيلاني.


وفي تلك الأرض أيضاً قامت لاحقاً المدينة الجامعية. فقد كانت بعض أراضيها ملكاً لعدد من أبناء المنطقة، مثل صادق ملص وسعيد مرمر المزاوي، إضافة إلى عائلات دمشقية أخرى. ثم آلت هذه الأراضي إلى الدولة، وأُقيم عليها المشروع الذي افتُتح في عهد الرئيس جمال عبد الناصر. ويُروى أن القارئ الشهير عبد الباسط عبد الصمد تلا القرآن في حفل التدشين، يوم نُصبت منصة خشبية مفروشة بالسجاد الفاخر ليقف عليها الرئيس أمام الحضور.


ومع مرور السنوات صار المكان أشبه بمجمع علمي، لكثرة المدارس التي قامت فيه، مثل روضة الأمل وندوة الطفل ومدرسة مجدل للفلسطينيين ومدرسة العروبة وغيرها.


أما حركة الحياة قديماً، فكانت أبسط بكثير مما نراه اليوم. ففي ستينيات القرن الماضي لم تكن السيارات تملأ الطرقات، بل كانت العربات التي تجرها الخيول هي وسيلة النقل المعتادة. وكان المارة يشاهدون أحياناً حزم نبات القنب القادمة من الغوطة، حيث كانت تُصنع منها الحبال المختلفة، ومنها الحبال السميكة التي كانت تُستخدم في السفن.


ومع الزمن ظهرت في المنطقة أسماء شعبية لأماكنها، مثل الفتالة التي سُمّيت نسبة إلى رجل أقام كشكاً يبيع المرطبات والمشروبات الساخنة وكان يقصده سائقو الباصات، وكذلك حارة الزيات التي ارتبط اسمها بالمحسن الدمشقي محمد الزيات.

وقطن في عين المكان  أحد مجاذيب دمشق الذي عدّ من بركة المكان (أبو العباس).

وهكذا بقي زقاق الصخر حياً يحمل ذاكرة دمشق، بين الماء القديم والصخر الصامت، وبين البيوت التي عاشت فيها عائلات المدينة جيلاً بعد جيل. ورغم ما تغيّر من عمران وحداثة، ما زال في المكان شيء من روحه الأولى… روح دمشق التي لا تشيخ.



سليم الهمذاني

 في الماضي، كانت دمشق تعج ببيوتها الدمشقية الأنيقة، حيث كان الدمشقيون يمتلكون في منازلهم قطعاً ثمينة من الزجاج المزخرف إلى الثريات البديعة، والأواني الفخارية والصينية الملونة. هكذا أحب الدمشقيون الجمال. لكن مع مرور الزمن، اضطرت طبقة من الأغنياء إلى بيع مقتنياتهم الثمينة. وفي هذا السياق، ظهرت طبقة من تجار دمشق يختصون ببيع كل ما هو قديم، من العاديات والتحف، فارتفعت أسعارها. إلى جانب هؤلاء التجار الدمشقيين، ظهر أيضاً تجار من يهود دمشق تابعوا هذه الحركة، لتظهر حوانيتهم الصغيرة في شارع مدحت باشا، حيث تناثرت دكاكين بيع التحف، وكل ما هو قديم. وفي هذا المكان، لمع نجم يوسف الهمداني (أبو موسى)، أشهر تجار القطع القديمة، حيث كان دكانه في نهاية سوق البزورية الذي يعج بعبق دمشق الأصيل. هناك، بجوار قصر العظم، نشأ يوسف وأبناؤه، فاختار ابنه سليم بعد التحاقه بمدرسة موسى بن ميمون أن يعمل مع والده. وفي غضون عشر سنوات من الخبرة، أصبح خبيراً في تقدير القطع الثمينة. ومن هناك، سافر إلى أوروبا الشرقية والغربية، حيث زار المزادات الأوروبية المختصة ببيع كل ما هو قديم، الأمر الذي زاده علماً وحنكة في هذا المجال. وعندما عاد إلى دمشق، افتتح متجر والده، وأصبح من أشهر المتاجر التي تبيع القطع القديمة، من أثاث وثريات سجاد، ونحاسيات، فأصبح مقصداً للسياح الأجانب والسوريين على حد سواء. أحب سليم الهمداني دمشق كثيراً، قد يغادرها أحياناً، لكنه في الغالب يعود إليها، لأنها تشعره بألق الماضي وحنين الأيام الجميلة التي قضاها مع أسرته في مدينته دمشق.

ميشيل كرشة(١٩٠٠-١٩٧٣)






انطباعات الروح الدمشقية على صفحة الضوء


يُعدّ ميشيل كرشة واحداً من أبرز روّاد التيار الانطباعي في سوريا، وفناناً امتلك قدرة استثنائية على التقاط اللحظة العابرة وتحويلها إلى أثر بصري نابض بالحياة. لم تكن لوحاته مجرّد مشاهد مرسومة، بل كانت انعكاساً حقيقياً لنبض دمشق، بأحيائها العتيقة، ووجوه ناسها، وتفاصيل حياتهم اليومية التي تختزن ذاكرة المكان وروحه.


في أعماله، تتجلّى الطبيعة السورية بصفائها، وتظهر دمشق كما لو أنّها مرآة للضوء، حيث تتراقص الألوان بين الظلال والسطوع في تناغم شاعري. ولم يكتفِ كرشة بتصوير الجمال، بل ذهب أبعد من ذلك، فلامس قضايا اجتماعية وسياسية، فجسّد في بعض لوحاته مآسي الحروب، ولا سيما حرب السويس (العدوان الثلاثي)، كما اقترب من حياة البدو، مصوّراً بساطتها وقسوتها في آنٍ معاً.


وكان كرشة صادقاً إلى حدّ التماهي مع فنه، إذ عبّر عن فلسفته قائلاً:

“لا يمكنني أن أرسم أو أصوّر الجوع من دون أن أعانيه… ما يخرج من القلب ينفذ لا محالة إلى القلب… أحاسيس الفنّان ومشاعره تنعكس على إنتاجه… فيكون انطباعياً.”

وهكذا، لم يكن الفن لديه تقليداً للواقع، بل تجربة معيشة، تُترجم إلى لونٍ وخطٍّ وإحساس.


وُلد ميشيل كرشة في دمشق عام 1900، وامتدّت رحلته الفنية إلى باريس، حيث تخرّج من المعهد الوطني العالي للفنون الجميلة، وشارك في معارض عدّة إلى جانب فنّانين فرنسيين. غير أنّ حنينه إلى دمشق أعاده إليها، فاختار أن يكون معلّماً، يزرع بذور الفن في نفوس طلابه حتى تقاعده عام 1949.


وقد وصفه الفنان إلياس الزيات، أحد أبرز تلامذته، بأنّه “ثوري بالنسبة لما سبقه في دمشق”، في إشارة إلى جرأته في الأسلوب وتفرّده في التعبير. فقد كان كرشة يرسم بسرعة مدهشة، مُنجزاً لوحاته خلال دقائق، وكأنّه يقتنص لحظة شعورية خاطفة قبل أن تتلاشى. وكانت ضربات فرشاته تحمل انفعالاً حيّاً، يترجم ما يعتمل في داخله من أحاسيس، وما يفرضه عليه الزمن الآني من حالات.


تميّز باستخدامه الألوان المائية والزيتية، ونجح في ابتكار توليفات لونية تجمع بين الإشراق والهدوء، ليعكس من خلالها تأثير الضوء، وانعكاس أشعة الشمس على الوجوه والمشاهد، فيحيل اللوحة إلى حالة من الصفاء البصري والوجداني.


ولم يقتصر دور كرشة على الإبداع الفردي، بل كان له حضور فعّال في المشهد الفني السوري، حيث ساهم في تأسيس عدد من الجمعيات الفنية في أربعينيات القرن العشرين، وأسهم في ترسيخ الحركة التشكيلية الحديثة في البلاد. واستمرّ في العطاء حتى وفاته في نيويورك عام 1973، تاركاً خلفه إرثاً فنياً غنياً.


وقد تجاوز إنتاجه الألف لوحة، توزّعت بين مقتنيات رسمية في دمشق، كوزارة الثقافة، والمتحف الوطني، والقصر الجمهوري، وقصر الضيافة، والمجمع العلمي العربي، إضافة إلى مجموعات خاصة في سوريا ولبنان وأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.


إنّ ميشيل كرشة لم يكن مجرّد رسّام، بل كان شاهداً على عصره، ومترجماً بصرياً لروح المكان والإنسان. ومن خلال انطباعيته الصادقة، استطاع أن يخلّد لحظات الحياة العابرة، ويمنحها بقاءً لا يزول، تماماً كما تفعل الذاكرة حين تحتفظ بأجمل ما مرّ بها.

مذكرات سيدة من الزمن الجميل

تُطلّ كلية الحقوق في جامعة دمشق كواحدةٍ من أعرق المنارات العلمية في المشرق العربي، حاملةً في ذاكرتها أكثر من قرنٍ من الزمن. فقد بدأت حكايتها في الأول من تشرين الثاني عام 1913، حين أُسِّست كمدرسةٍ للحقوق في بيروت، قبل أن تعود وتُبعث من جديد في دمشق عام 1919، لتغدو نواة التعليم القانوني الحديث في البلاد. ومع قيام الجامعة السورية عام 1923، أصبحت الكلية جزءاً أصيلاً منها، إلى أن استقر اسمها النهائي «كلية الحقوق» عام 1946.


ومنذ تلك البدايات، تعاقب على بنائها العلمي رجالٌ تركوا بصمتهم العميقة، أمثال عبد اللطيف صلاح، وسليم العطار، وعبد القادر العظم، الذين لم يكتفوا بوضع المناهج، بل أسّسوا لروحٍ أكاديميةٍ رصينة، تمزج بين أصالة الفكر القانوني وحداثته.


ومع أواخر الخمسينيات، أخذت الكلية تخطو نحو مرحلةٍ أكثر نضجاً، فباشرت عام 1959 بمنح دبلومات الدراسات العليا في القانون العام والخاص، مؤكدةً مكانتها كمركزٍ متقدمٍ للبحث والمعرفة. وفي ستينيات القرن العشرين، لمع نجم أساتذة بارزين، مثل محمد الفاضل، الذي قاد قسم القانون الجنائي ثم تولّى عمادة الكلية، وعزيز شكري، الذي رسّخ حضور القانون الدولي في مناهجها، وقد درس في الكلية الدكتور عبود السراج والدكتور رمضان البوطي.


وفي عام 1960، كانت الكلية قد استقرّت في مبناها في ثكنة الحميدية، وبلغت درجةً لافتة من التنظيم والازدهار. هناك، لم تكن القاعات مجرد أماكن للدراسة، بل فضاءات حيّة تتلاقى فيها الأفكار والطموحات. وتروي السيدة وفاء الساطع، وهي إحدى طالبات تلك المرحلة، صورةً إنسانيةً دافئة عن تلك الأيام، فتقول: «كنا نخبةً متنوعة ندرس القانون، وكان بيننا فتاةٌ جميلة، راقية المظهر، دمثة الأخلاق. لم نعرف عنها الكثير في البداية، ثم اكتشفنا لاحقاً أنها من يهود دمشق. كان تهذيبها ورقتها يجذباننا إليها».


تلك الفتاة كانت سلفي شالوح، التي لم تكن مجرد طالبةٍ في كلية الحقوق، بل كانت مثالاً للتفوق والتنوع الثقافي. فقد أتقنت عدة لغات، ودرست في معاهد متخصصة، إلى جانب عملها مدرسةً في مدرسة موسى بن ميمون التي كان تحت إدارة الأستاذ المسلم محمود الساطع في حي اليهود الذي يقول بأن تآلفاً غريباً بين إداريّ المدرسة ومعلميها كان لافتا.

 لاحقاً، تابعت سلفي طريقها حتى تخرّجت من مدرسة الحقوق، حاملةً معها هذا المزيج الفريد من الثقافة والمهارة، لتقول علمت فيما بعد أنها أجادت فن الخياطة والتطريز، لتجمع بين الذوق الرفيع والعلم الواسع، لتغادر دمشق إلى الولايات المتحدة الأمريكية في العقد الثامن من القرن المنصرم لكن ذكراها بقيت حيّة، بوصفها واحدةً من بنات دمشق اللواتي حملن روحها معهن أينما ذهبن.

وهكذا بدت دمشق في تلك السنوات مدينةً تتسع للجميع، تتجاور فيها الاختلافات تحت مظلة الودّ والتعايش.

دفءٌ لا يزول

تمضي الأيام، وتبقى بعض اللحظات

ساكنة في القلب، لا يغيّرها زمن، ولا يطفئها غياب.


صباحٌ هادئ…

شمسٌ خجولة تتسلل بين غيماتٍ ساكنة، ومطرٌ خفيف ينهمر برفق، كأنّه يهمس للأرض ولا يوقظها.

جلستُ بصمت أمام نافذة غرفتي،

أصغي لصوت المطر وهو ينساب، فإذا بالذاكرة تفتح بابها دون استئذان.


أتذكر يومها أني كنتُ في الرابعة من عمري…

أمشي إلى جانب أمي، وهي تحمل البقجة بيدها، ونحن خلفها، أنا وإخوتي، نعبر الأزقة الضيقة بخطواتٍ صغيرة.

لم أكن أعرف الطريق، لكنني كنت أشعر بالأمان… ما دامت هي أمامنا.

لنصل إلى باب الحمّام.


لا تحضرني التفاصيل كاملة، بل ومضات ناعمة:

أرضية رخامية مبللة بلونٍ زهريّ خفيف، جرن واسع، والماء يتدفق فيه بلا انقطاع…

أصوات خافتة، تختلط بهمس البخار، فتغدو كأنها سرّ المكان.


في الداخل، كان كل شيء مختلفاً…

دفء يحيط بالجسد برفق، وبخار يتصاعد فيهدّئ الحواس، ويجعل العالم خارج الجدران بعيداً جداً.

الماء الساخن، ورائحة الصابون، ولمعان الحجر… كلها كانت تصنع عالماً صغيراً، دافئاً، يشبه الحلم.


كان فرحي بسيطاً، وعميقاً، وكأنني داخل مكان ينتمي إلى خيالي الطفوليّ النقي.


واليوم…

تعود أمي إلى ذاكرتي مع هذا المطر.


رحمها الله…

كم كانت حنونة، وكم كانت تخاف علينا بصمت، دون أن تقول شيئاً.

أخذتنا إلى ذلك الدفء، ولم نكن نعلم أنها هي الدفء كله.

في نهاية المطاف أتذكر أنها وضعت في الماء شيئا يشبه التراب له رائحة طيبة كم كنت جميلة يا أمي، بالرغم من طول فترة الغياب إلا أنك تسكنين أعماق الذاكرة.


وبمناسبة الحمام فدمشق تحتضن مئات الحمامات منذ ما قبل التاريخ، اندثرت في الغالب ولكن ما بقي منها يذكر بما كان في العصور الغابرة وعليه تتكون الحمامات من فسحة استقبال بسيطة, يليها

 البرّاني، يتبعه مكان فسيح حيث الضوء يتسلل من القباب العالية عبر فتحات صغيرة، فيرسم دوائر من النور على الأرض الرخامية. هنا يجلس الزوار على المصاطب، يتبادلون الأحاديث، يحتسون الشاي أو القهوة، وتُخلع الثياب بهدوء وكأنها طقس انتقال من عالم إلى آخر.


 ليتبعه الوسطاني، حيث تبدأ الحرارة بالتصاعد تدريجياً. الهواء دافئ، والبخار الخفيف يلامس الوجه، والأرضية دافئة.


أما الجواني، فهو قلب الحمّام النابض. هنا يشتد البخار حتى يكاد يحجب الرؤية، الحرارة عالية، والماء يتدفق من الصنابير على الأجران بطاساتها التي تلعب مع الماء المتدفق.


كان في الحمّام فريق متكامل من العاملين، لكلٍ منهم دوره، من صاحب الحمّام إلى من يستقبل الزوار، والقميمي الذي يشعل النار في بيت النار (الأتون) ليحافظ على حرارة المياه والبخار. والقهوجي الذي يقدم الشراب في البرّاني، والسقّا الذي ينقل الماء، والمدلّك الذي يمنح الزبون لحظة استرخاء عميقة.


لم يكن الحمّام مجرد مكان للاغتسال، بل كان مساحة للقاء، عالم من البخار والضوء، من الماء والحجر، ومن الزائرين الذين جعلوا منه جزءاً لا يتجزأ من روح دمشق.

الأحد، 22 فبراير 2026

قصر آل الشمعة…أيقونة دمشقية تتنفس جمالًا



في قلب دمشق العتيقة كان قصر آل الشمعة بيت دمشقي يختصر عبق تاريخ الياسمين الدمشقي، ويجمع في بين طياته فن العمارة الدمشقية، ففي زخارفه نبض حياة. 
يعود تاريخ القصر إلى القرن الثامن عشر، وقد اختار موقعه أحد كبار تجّار دمشق في تلك الحقبة، الحاج سعيد الشمعة، في نقطةٍ تشرف على أحياءٍ لها ثقلها في ذاكرة المدينة: حي القنوات، وباب السريجة، وباب الجابية. لم يكن اختيارًا عابرًا؛ بل كان كأن صاحبه أراد للقصر أن يبقى قريبًا من قلب دمشق، لا في هامشها.
وهكذا كان قصر آل الشمعة؛ بأروقته الرحبة وباحاته التي تتوسّطها الفسقيّات وتحفّها الأشجار الباسقة، بدا نموذجًا متقنًا لفن العمارة الدمشقية في أجمل صورها.
في عصره الذهبي لم يكن القصر منزلًا للعائلة فقط، بل كان فضاءً ثقافيًا تتقاطع فيه الزيارة بالمعرفة، والضيافة بالفكر. وقد وصفته الكاتبة ناديا خوست بأنه أشبه بـ“جوهرة معمارية” تتلألأ في قلب المدينة القديمة.
يحمل القصر من الداخل لغته الخاصة حيث تستقبلك الباحة الواسعة المرصوفة بالحجر المشذّب، وفي وسطها بحرة كبيرة تتوسّطها نافورة من الرخام. حول الباحة تمتد أروقة مسقوفة بأقواسٍ عربية تستند إلى أعمدةٍ حجرية متينة، ثم تتتابع القاعات الفسيحة بأسقفها العالية المزخرفة بالجص والخشب المعشّق، تتوزع فيها النقوش النباتية والهندسية التي أبدعتها أيدي فنيين دمشقيين مهرة.

تفاصيل الغرف كانت لا تقلّ سحرًا: أرضيات من الرخام الملوّن، وجدران مكسوّة بـالقيشاني الدمشقي إذ يمنح المكان برودةً لطيفة وبهاءً دائمًا. وفي الغرف الرئيسية غالبًا ما نجد شرفات تُطل على الحديقة الداخلية، لتبقى العلاقة بين الداخل والخارج مفتوحة.

وفي قلب هذا التكوين كله تبرز قاعة الاستقبال الكبرى “الإيوان”؛ قاعةٌ وُلدت لتكون عنوان القصر. تتزيّن بالفسيفساء، وتتخلّلها نوافذ الأرابيسك المشغولة بالخشب الملوّن.
وإلى جانب الإيوان، كانت بعض الغرف تضم مشالح—مجالس مرتفعة—تُهيَّأ للجلوس الطويل، وبالقرب منها مشاجب خشبية للنحاسيات والخزف.

لم يكن القصر، في امتداداته، معزولًا عن خصوصية العائلة أيضًا؛ إذ ضمّ جناحًا خاصًا بهم، مع غرف نوم تطل على حديقةٍ أكثر هدوءًا، وممرات داخلية تربط الأجنحة وتمنح المكان سلاسة الحركة، وبعض الغرف زُوّدت بقباب داخلية مزخرفة، مما يضيف إحساسًا بالرحابة والترف، ويجعل السقف جزءًا من المشهد لا مجرد غطاءٍ له. وحتى أبوابه الخارجية كانت خشبية متينة مزخرفة، تشرف على ساحة خارجية تقود إلى بيوت آل الشمعة المحيطة بالقصر.

هذا الحضور الاجتماعي لم يكن تفصيلًا ثانويًا؛ فالقصر كان مركزًا لاستقبال الشخصيات المهمة، ويُذكر أنه عند زيارة إمبراطور ألمانيا غليوم الثاني إلى دمشق عام 1898 أُقيمت له مأدبة غداء في قصر آل الشمعة، وفُرش السجاد الأحمر في الطرق المؤدية إليه.

وإلى جانب الوجاهة، كان للقصر وجهٌ إنسانيٌ واضح؛ إذ ارتبط باسم أحمد باشا الشمعة وأعماله في رعاية الأيتام والفقراء، حيث ترأس دار الإصلاح لرعاية الأيتام وتعليمهم، حتى عُرف بـ“كهف الأرامل واليتامى والفقراء”. هنا يصبح القصر أكثر من مكانٍ للترف: يصبح شاهدًا على معنى اجتماعيٍّ كانت دمشق تتقنه، حين تجمع بين الفخامة والرحمة في مساحةٍ واحدة.

ولا تكتمل الحكاية دون ذكر ما جاور القصر حمّام الشمعة، وهو حمّام دمشقي تقليدي في حي القنوات يعود بناؤه إلى أواخر القرن التاسع عشر. بناه أحمد رفيق باشا الشمعة ليخدم سكان القصر والحي معًا، فصار جزءًا من النسيج الاجتماعي والثقافي للمنطقة. قبةٌ تسمح بدخول الضوء الطبيعي عبر فتحاتٍ صغيرة، رخامٌ في الأرضيات والجدران، ونقوشٌ عربية تضفي على المكان فخامةً لا تُلغي بساطته؛ وكأن الحمّام يقول إن الحياة الدمشقية كانت تعرف كيف تمنح حتى تفاصيلها اليومية طابعًا جماليًا.
وأنا كاتبة هذه السطور لطالما زرت عين المكان مراتٍ عديدة أتأمل ماض كان مجيدا واليوم بات أثرا بعد عين.

تم إعداد الصور حسب الوصف للدقيق للقصر من قبل Ai

الاثنين، 16 فبراير 2026

يوسف دهمان 1959-2013م

حيث أرخت روابي كفرسوسة بظلالها الخضر على ضفاف دمشق الفيحاء امتلك مزارع بسيط بيتًا ريفيًا صغيرًا، جاورته قطعة أرض مزروعة بأشجار الزيتون منحت لمالكها عيشاً كريماً، وفيما بعد انتقلت أملاك الحاج أبو يوسف إلى نجليه بما فيها صندوق خشبي حمل بين ألواحه رائحة السنين ودفءَ الذكريات. عزم الأخ الأكبر يوسف (١٩٥٩-٢٠١٣م) على إصلاحه، في حين أشار أخوه ببيعه، تأمل يوسف الصندوق طويلاً حتى خُيّل إليه أن الخشب يتنفس، وأن الصمت ينفرج عن همسٍ خافت.

همس الصندوق بصوتٍ يشبه حفيف أوراق الزيتون:

«يا يوسف، أنا رفيق والدك، قضينا معًا سنواتٍ من الشقاء والنقاء، احتضنتُ كل أسراره. واليوم ما أنا إلا صندوق ذكريات مرصّع بمحارٍ بحري، تتلألأ صدفاتي كضوء قمرٍ جميل، لكن الأيام قد انهكت جسدي.


استفاق يوسف من شروده. تمتم في نفسه:

أيمكن لصندوقٍ أن يبوح لي بسره؟


ليأتيه الجواب كنسمةٍ دافئة:

«نعم، أشكو إليك ضعفي وقلة حيلتي. انظر إليّ كروحٍ أتعبها الزمان».


عندها شعر يوسف بشيءٍ ينبت في صدره، كأن الرحمة جذعٌ أخضر شقّ طريقه في قلبه. جرّ الصندوق إلى مكانٍ أكثر دفئًا، غطّاه بملاءةٍ بيضاء، وربّت على غطائه كما يُربّت على كتف صديقٍ قديم.


في تلك الليلة، لم يُغمض له جفن. فكلما تقلّب في فراشه أحسن بأنين الصندوق خشية الفراق، ومع خيوط الفجر الأولى مضى إلى قلب المدينة القديمة، إلى دمشق التي كانت في خمسينيات القرن المنصرم تعجّ بورش حرفٍ تنبض بالحياة، وتتنفس فناً عائلياً موروثاً.


هناك، بين الأزقة العتيقة، ولشهور؛تعرّف إلى عالم صناعة الأثاث الخشبي المعشّق بالصدف، تنقّل يوسف بين الورش، يطرق الأبواب بخشوع التلميذ، حتى قبله أحد شيوخ الكار تلميذًا عنده. وعلى مدار شهورٍ طويلة، تعلّم كيف يُصغي للخشب، كيف ينتقي الأجود منه كيف يحفر فيه زخارف هندسية ونباتية، وكيف يُنزل خيوط القصدير والفضة بين خطوط الرسم، ثم يرصّع الخشب بالصدف بكل دقة وإتقان.

عاد يوسف إلى صندوق أبيه، لا كمالكٍ عابر، بل كحرفيٍّ عاشق. أصلحه، أعاد إليه نضارته، وكأنهما أعادا إلى بعضهما الحياة: الصندوق استعاد بريقه، ويوسف اكتشف ذاته. ومن تلك اللحظة، وُلد أحد أشهر حرفيي دمشق في هذا الفن… يوسف دهمان، أبو عصام.


واليوم، أصلُ باكرًا إلى حيّ جرمانا، أحمل في قلبي حكاية الصندوق وأبحث عن امتدادها. منذ الدخول إلى الحيّ، يتسلل إلى النفس شيءٌ من الحزن؛ آثار زمنٍ ثقيل ما زالت جاثمة، كندبةٍ على وجه المكان.


نتابع السير بين الأزقة حتى نصل إلى مشغل الإخوة دهمان. ورشةٌ متواضعة، باردةٌ بعض الشيء، يلفّها شيءٌ من العتمة. لكن ما إن تقع العين على قطع الخشب المصدف حتى يتبدّد الظلام؛ الصدف يلمع، والزخارف تنبض بالحياة، وكأن الضوء يخرج من قلب الخشب نفسه.


كان أبو عصام حاضرًا رغم غيابه عن الدنيا، رحمه الله. حضوره يتجلى في مهارة أبنائه الثلاث، في صبرهم على الخطوط الدقيقة، في احترامهم لنوع الخشب قبل لمسه. لقد علّمهم كيف يفرقون بين خشب الجوز والزان، كيف يحفرون الزخارف الهندسية والنباتية، كيف يُدخلون خيوط القصدير بدقةٍ بين تجاويف الرسم، ثم يُنزلون الصدف ليكتمل المشهد بفنٍ راقٍ.


يقول الابن الأكبر، عصام:

«بعد إتقانه الحرفة اقتنى والدي ورشةً صغيرةً مجاورة لمنزلنا. كنا نعود من المدرسة فننجز واجباتنا أولًا، فقد كان حريصًا على تعليمنا. ثم نذهب إلى ورشته، ليتابع هو تعليمنا فنون الرسم والحفر، وكيفية إنزال المادة الرئيسة داخل الخشب».


وهكذا، لم يكن الصندوق مجرد قطعة أثاث، بل كان بداية حكاية عشقٍ بين إنسانٍ وموروث، بين ذاكرةٍ ومهنة، بين أبٍ وأبنائه. حكاية تقول إن الأشياء التي نمنحها حبّنا… تعود فتمنحنا معنى، وتُخلّد أسماءنا في موطننا الذي نعشق.