الثلاثاء، 27 أغسطس 2013

"حي الميدان" أصالة لاتنتهي


حي الميدان "  بوابة دمشق الجنوبية

أطلق اسم الميدان على  المنطقة الواقعة جنوب غرب مدينة دمشق، لوجود ميداناً رحباً واسعاً، تُقام فيه سباقات الخيل وجميع ضروب الفروسية من مبارزة ورماية ومصارعة. على أن الميدان لم يكن مقتصراً على هذه السباقات كما يرى الباحث الفرنسي جان سوقاجيه، بل كان ينزل به ويخيّم كلّ من تضيق المدينة عن إيوائه من الناس.


يعد حي الميدان أكبر ضواحي دمشق على الإطلاق، في جهتها الجنوبية. أقدم ذكر له كان في العهد الفاطمي، كما ورد لدى المؤرخ الدمشقي أبي يعلى القلانسي في كتابه "ذيل تاريخ دمشق" في حوادث سنة 363هـ. والجدير بالذكر أن به إلى اليوم مسجد قديم يعود إلى العهد الفاطمي، يٌعرف بمسجد" فلوس".ذكره في القرن السادس الهجري، ابن عساكر في "تاريخ مدينة دمشق" بقوله: "حارة الميدان المعروفة بالمنية".  ذكره  الباحث عيسى اسكندر المعلوف بأنه يعود إلى العهد الأموي تحديداً، فيقول: "وعقد الوليد بن عبد الملك ميداناً لسباق الخيل"..

سمي قديماً بميدان الحصى( الميدان التحتاني، اليوم)، تعود التسمية إلى تربته اللحقيّة المفروشة بالحصى، لوقوعه على مفاض سيل فرعي بردى القنوات والدّاراني.
لم تشهد ضاحية الميدان العمران الفعلي حتى العهد المملوكيّ (648-923هـ)، لوجود المدينة  ضمن السّور، عدا (العقيبة والصّالحية)،  حيث توكل على حمايته فتية الحي من هجمات اللصوص وقطاع الطرق والغزاة، مما ميزه بوجود " القبضايات والزكرتية" بكثرة فيه.

وفي لقاء مع إمام جامع الزيتون "عبد الهادي المؤذن" أفاد: بدأت الضواحي السكنية بالظهور خارج أسوار مدينة دمشق في العهد المملوكي، منها السويقات؛ كالسويقة وسوقة صاروجا، عدا التوسعات التي طرأت على الصالحية والعقيبة. ومنها أيضاً ضاحية الميدان التي بُدئ بعمارتها، فظهرت فيها المساجد وبعض المدارس، واشتهرت بزواياها الكثيرة، وما زال عدد كبير من هذه الآثار مائلاً إلى الآن، ومنها: جامع منجك، المدرسة القُنشليّة، الزاوية السّعديّة، تربة أراق السِّلَحدار، تربة النائب تنم (التّينبيّة)، تربة الشيخ حسن ابن المزلّق، وعدد من الترب المملوكيّة الأخرى. ولا نجد في الميدان اليوم أي بناء يعود إلى العهد الأيوبي، بل كانت آخر حدود أبنية هذا العهد عند محلّة باب المصلّى وشماليّها السويقة؛  كانت أرض الميدان قبل ذلك مجموعات منفصلة وقريّات، مثل القُبيبات؛ نواة حي الميدان الفوقاني (القسم الجنوبي من الميدان). وفيما بعد أخذت هذه الأحياء بالاتساع، حتى ارتبطت ببعضها وصارت ضاحية كاملة كبيرة جنوبي دمشق..

ليقول: أهم آثار العهد العثماني في الميدان: جامع مراد باشا،  حمام فتحي، كما تعود أكثر دور الميدان الفخمة إلى هذا العهد، ولكن تم هدم عدد كبير من هذه الدور الجميلة أواخر السبعينات عند شق الطريق المحلّق الجنوبي، كان من أجملها دار الموصلي ودار البيطار.

ويورد التاجر موفق المصري:، استقطب حي الميدان،  عدداً من أفراد السّلك العسكري المحلي (الإنكشارية اليرليّة)، لما اختص به الحي من الثراء الكبير من خلال تجارة الحبوب والمواشي والغلال الزراعية والمنتوجات الحيوانية. فظهرت طبقة كبيرة من الأعيان بالحي، جمع أفرادها بين الانتماء إلى السلك العسكري المذكور والتجارة الوفيرة الربح.

تباع في  الميدان التحتاني الحبوب بأنواعها في حوانيت فسيحة تُسمّى بَوايك (جمع بايكة)، وفيه أهراء كبيرة لخزن الحبوب، وكثير من الخانات والأحواش لربط الدّواب والجمال ولإيواء الغرباء، و معامل متعدّدة لأعمال مختلفة، وكالنسيج والحياكة، والنّشاء.. اشتهر الميدان لكونه طريق محمل الحج؛ حيث ازدحمت ضاحية الميدان قديماً بالجموع الغفيرة المغادرة والعائدة من الحج. مما زاد من أهميّته الاقتصادية، لما يرافق هذه المناسبلت من ازدهار للأسواق الموسمية الحافلة بمظاهر مختلفة وحركة اقتصادية كاملة، مما أفرز مهناً دائمة ومختلفة على مدار المواسم.


يقول المعمر الميداني "فهد القويدر" تسعين عاماً:  لم يحظ حي الميدان حتى اليوم بدراسة تاريخية وافية تلخّص مسيرته الحضارية عبر العصور، وتحصي ماتبقى من أوابده المعماريّة المهمّة، وتتقصّى تاريخه الشعبي ودور أهم عائلاته في سيرة دمشق، على صعيد العلم والدين والتربية والجهاد والفنون والصناعة والاقتصاد.  قبل أن تضيع بقيا الذكريات ممّن تبقوا من شيوخ الميدان الذين عاصروا بدايات القرن العشرين.

يقول الأستاذ أحمد الحبش سبعين عاماً، يُقسم حي الميدان في عُرف أهله إلى ثلاثة أقسام  الميدان التحتاني مما يلي باب المصلّى، ثم الميدان الوسطاني، وبعده الميدان الفوقاني عند بوابة الله. ويشقّها طريق الحج المعروف باسم "الدرب السلطاني". وفيما يلي ذكر لبعض حارات وأحياء الميدان.
 قسّمت المدينة إدارياً إلى ثمانية أثمان أواخر العهد العثماني، فكان ثُمنان منها يشملان حيّ الميدان: التحتاني والفوقاني.  وصفهما مصدر معاصر، عبد العزيز العظمة؛ ثُمن الميدان التحتاني فبدايته من السّويقة، ويشمل بداية الدرب السّلطاني، وخان المغاربة، وزقاق الأربعين، وزقاق  الأورفه لي، وزقاق النقشبندي، والقبّة الحمراء، والتّيامنة، وباب المصلى، وزقاق القملة، وقاعة النشا (تسمى القاعة اليوم اختصاراً)، وزقاق الموصلي، والتنورية، والقرشي، والعسكري، والمحمص، وزقاق البصل، والقبيبات". فيه جامع النارنج وجامع صُهيب (تربة أراق)، وجامع الزاوية، وجامع القوّاص، وجامع الرفاعي، وجامع منجك، والكريمي (جامع الدقاق اليوم)، ومدرسة الخانكيّة( محكمة الظلم، التي كانت بمثابة القصر العدلي اليوم) ، ومدرستان أميريّتان للبنين والبنات.

ليقول من أشهر أسواقه سوق الجزماتية الممتد إلى بوابة الله (باب مصر). ويضم من الأحياء والمحال: سوق الجزماتية، الحقلة، ساحة عصفور، ساحة بحصيص، والراقية، وزقاق الطالع، وزقاق البرج، وزقاق الماء، وزقاق أبي حبل، والمشارقة، والحارس، والجمّالة، والقلاينية، والنصار، وزقاق قيصر.

وفي الميدان الفوقاني: جامع الدقاق، وزاوية الشيخ سعد الدين الجباوي، ومسجد العسال وحمّام الجديد، وحمّام الدّرب، وحمّام التّوتة، وحمّام منجك، وحمّام الرّفاعي. ثم معمل السكة الحديدية الحجازية (أي المحطة وورشاتها)، ومحطة سكة حديد بيروت وتمديداتها، وثكنة المتطوّعة، والثكنة العزيزية.

اشتهر من أهل الميدان عدد من الأسر العريقة حسب الأستاذ زياد الملقي: كآل العابد، سكّر، البيطار، الحكيم، المهايني، دعبول، حبنّكة، النّوري، حتاحت، الرّفاعي، الجباوي، الحملي، سرحان، خطّاب، الميداني، الصبّاغ، السّاسة، الغبرة، البرغلي، أبو حرب، سحلول، الموصللي، الملقي...  ليعقب: ظهر في حيّ الميدان ثلّة من العلماء الأئمة، منهم: المجاهد الشيخ محمّد الأشمر، الذي نفته القوات الفرنسية خارج دمشق. العالم والفقيه عبد الغني الغنيمي، ومنهم الشيخ حسن حبنّكة الميداني، والشيخ حسين خطاب، والشيخ محمد كريّم راجح، كما أقام بينهم وما زال عدد كبير من العلماء الأفاضل.



وحول التّراث الشعبي، ارتبطت بحيّ الميدان صفات النّخوة والكرم والحميّة والشجاعة، وما زالت هذه العادات الدمشقية العريقة قائمة في حي الميدان بجميع عاداتها وتقاليدها الأصيلة، وأخلاق أهلها وتكافلهم الاجتماعي، والتّرابط في جميع الظروف، والميل الكبير إلى الحشمة والتديّن، لكونه موئل للأصالة، وعنوان لكل ما يخصّ ماضي دمشق وتراثها وجوهرها الأصيل.

يتميز حي الميدان بمطبخه العريق، حيث تكثر اليوم محلات الطبخ والحلويات والمطاعم، التي تقدّم الأطعمة من كافّة الأنواع والألوان الشرقية والغربية. وما زال أهل دمشق يفضّلون ابتياع أصناف الحلويات الشاميّة اللذيذة الشهيرة..  يُضرب المثل بالـ "العزيمة الميدانيّة".

وعليه يكون حي الميدان احد الأحياء القديمة والعريقة بدمشق، واكب تاريخ تطورها العمراني والاجتماعي،  ليكون معلماً ن معالم حضارتها وتراثها. عرف أهله بالجود والنّخوة والكرم والشجاعة، والمحافظة على شعائر الدين ومكارم الأخلاق..

 

"حسيبة الشريجي الطياع" سر من أسرار دمشق

"حسيبة الشربجي"1863-1962م-  مدرسة للفن التراثي الدمشقي
عملت السيدة حسيبة طيلة حياتها على تثبيت فن الحبك الدقيق، في أذهان من يريد تعلم هذه الحرفة الدمشقية المتميزة، هي حسيبة بنت محمود الشربجي زوجة عبد الرحيم الحفار الطباع، دمشقية الأصل، امتهنت مهنة التطريز في سن مبكرة، لتكون من أوائل السيدات الدمشقيات اللاتي، عملن في  تعليم فتيات المحلة والمناطق المجاورة فن تطريز "الصرمة" وهو عبارة عن رسومات وكتابات مختلفة، ترسم يدوياً، ثم تثبت على القماش، ليبدأ العمل المضني،  بلف القصب على الحرف مع القماش ليصبح نافراً.
 في ذلك الزقاق الضيق من جادة قصر حجاج، عاشت السيدة حسيبة، كانت كبنات جيلها لاتجيد القراءة والكتابة، إلا أنها استطاعت بذكائها، أن تنطق الشعر بالإضافة إلى إجادتها حرفة التطريز، بدأت في منزلها في محلة قصر الحجاج، زقاق المعازة، السيدة حسيبة رحلتها، فافتتحت  ورشة تعليم صغيرة، ومالبث عدد الراغبات في التعلم بالازدياد، كانت عدتها  قوالب للطباعة على القماش، محفور عليها ورود وأشكال هندسية متعددة، أو آيات من الذكر الحكيم، وهي الرسوم الشرعية التي يمكن التعامل به.
يقول حفيدها السيد محمد الحفار الطباع[1]: قامت في عشرينيات القرن الماضي بين عامي( 1927- 1929م) بخياطة وتطريز ثوب الكعبة ونقله إلى الحجاز، حيث قدمته كهدية إلى الكعبة المشرفة، وهو ثوب ينوء عن حمله جوز من الجمال صنع من المخمل الحريري الطبيعي، واسعملت للتطريز بخيوط حرير ملفوف عليها خيط من الذهب. وكان عمرها حوالي ستين سنة، كذلك خاطت جدتي حسيبة،  ستر مطرزة بخيوط الذهب والفضة، لقبر الرسول صلى الله عليه وسلم. وعليه قابلت الملك عبد العزيز آل سعود في قصره هي وولدها حسن، الذي أثنى على العمل وقام بإهدائهم هدايا تذكارية قيمة. وفي طريق العودة، قابلت سلطان باشا الأطرش في مضافته لحل بعض الاشكالات بين المواطنين في تجارتهم بين دمشق والسويداء.
ليقول: كانت متكلمة وقارضة للشعر المحلي "زجل" وكانت تستخدم الأمثال في جلّ حديثها، ومن الأمثال التي حفظت منها المئات أو أكثر؛ مع انها كانت أميّة لا تعرف القراءة أو الكتابة،  إلا أنها كانت تجتمع بمجالس كبار رجال العائلة والأقرباء وتقوم بحل مشاكلهم وكانت ذات نشاط اجتماعي منقطع النظير، وبعد وفاتها رثاها ولدها حسن بقصيدة قال فيها:
رواية شفوية كانت السيدة حسيبة تجلس لساعات طوال وهي ترسم بأناملها المتعبة آيا ت من الذكر الحكيم وأدعية و تعمل بشكل متقن في حبكها بخيوط القصب الفاخر على أنواع من القماش حسب الطلب، لترسلها فيما بعد إلى تاجر معين من آل الطرابيشي يتولى هو بيعها.
 تعد بحق مثالاً يحتذى عن سيدات دمشق الطموحات اللاتي عملن جاهدات لتطوير حرفة التطريز اليدوي الذي شاع منذ أواخر الفترة العثمانية وإلى أواخر الستينيات، فلم يخل بيت دمشقي، أو جهاز عروس من قطعة أو قطعتين من تلك المطرزات التي تنوعت حسب استعمالاتها، من المناشف، ذات الرسوم الجميلة على أطرافها ، وانتهاءاً بأغطية الأسرة الحريرية المطرزة بالخيوط الفضية والذهبية، إلى البقج التي علقت اليوم كلوحات أثرية لتذكر بأصحابها، وغير ذلك كثير، كانت السيدة حسيبة واحدة من تلك السيدات اللاتي عملن بصمت، ولكن بروح إبداعية عالية، وردن فن دمشقي رائع للمدن السورية، داخل الوطن، ولكل متلمس لروح جمال هذا الفن الدمشقي الزاخر بالجمال خارج الوطن.
 فاق حسن ماقدمت الحدود، ويمكن القول، بأن أعمالها باتت لوحات فنية تناقلتها الأجيال لدقة صنعها وبهاء النظر إليها،  وكانت للملك سعود بن عبد العزيز، تضمنت أشياء كثيرة، قطعة منها آيات كريمة للكعبة المشرفة، والقسم الآخر رايات جميلة، وحسب الراوية، بات اسم السيدة حسيبة، على كل لسان، ونحن اليوم نذكر بها كفنانة موهوبة، عملت بصمت ولكن نتاجها الفني تكلم بالنيابة عنها، من خلال رؤية الجمال في عيون الناظرين للقطع الفنية التي قدمتها طوال سني عملها.
 أفادت السيدة مها الأشقر،  المقيمة في الولايات المتحدة اليوم، بأنها تعلمت التطريز في مدرسة اللورد على يد السيدة حسيبة، وما زالت تتذكرها، إلى يومنا هذا، لتقول مازلت أطرز بعض أشياء أتذكر معلمتي وأنا أشتغلها.
 عاشت السيدة حسيبة في زقاق حجاج وكان بيتها بجوار منزل الشيخ أحمد الأزهري زوج السيدة صفية بنت الشيخ العلامة عبد المجيد الخاني، وماكتب منقول شفهياَ عن الأستاذة عفت زكريا، الصوفية الدمشقية، الباحثة في الطرق الصوفية.
عاشت السيدة حسيبة الشريجي الطباع، في زمن آخر، وثقافة مختلفة عن ثقافة الجيل الذي نعيش فيه، ولكنها كانت موجودة، من خلال البحث عن حياة مشرقة، لمن أبهجت عيون من نظروا إلى فنها.
من غرائب الأمور: بأنه عند زيارة قبر السيدة حسيبة الشربجي الطباع، وجدت قبرين لسيدتين تحملان نفس الاسم، ولكن ماميز المترجم لها، وجود حفيدها، الذي يعمل في مهنة الدفن، التي ورثها عن أجداده، ولن أقف ند هذا الحد فالغريب أن الحسيبتين، قد عملتا في تعليم فن التطريز، ردحلاً من الزمن.
 
 
ِ
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 


[1] - محمد الحفار الطباع، درس السيد محمد في مدارس دمشق، ونال الثانوية التجارية، عمل في المحاسبة في دوائر حكومية، وشركات خاصة، ارتحل إلى إنكلترة حيث قضى فيها سنوات عدة، عاد إلى دمشق والتحق بمهنة أبيه حتى لاتخرج العائلة من المهنة.

آل يعقوبيات دعامة من دعامات التطور السوري

عندما ضرب الموت ضربته أخذت آلاف العائلات الأرمنية بالنزوح عن ديارها طلباً للنجاة، اشتدت وطأة الحكم التعسفي التركي فلم يخل بيت من مفقود أو شهيد ليصبح الجزاء جماعياً فتشتت جموع كبيرة من الطائفة الأرمنية التي باتت تحت الجزء المباشر لم يرحم الاتحاديون الأتراك صفيراً ولا كبيراً فبات الكل هدفاً مباشراً للقتل وعليه تضاعفت أعداد تاركي الأرض والديار في ظل ملاحقة شرسة.
في ظل هذه الظروف كان لابد من الرحيل من منطقة مرعش ( كيليكا) حيث جمعت الأسرة اليسر اليسير من متاعها واحتضنت العمة أبناء أخيها التي طالته يد الإثم في فترة سابقة لتبدأ رحلة اللاعودة الشاقة بين دروب الجبال الوعرة في ظل ملاحقة ملك الموت الذي بات ينشر أشرعته في مكان، وضحت المأساة من خلال الصور التي وثقت ماحل بالأرمن على مدى عقود متتابعة لم يميز الأتراك الاتحاديين بين امرأة مسنة أو طفل صغير أو شيخ كبير فقتلت الرجال وسبت النساء وشردت ويتمت آلاف الأطفال هذا كان الحال فإما الموت أو الفرار.
وعليه حضنت العمة أولاد أخيها نظريت ١٨٨٢-١٩٧٢/ وأوديس يعقوبيان١٨٨٨-١٩٥٦واتجهت نحو الجنوب ليصلوا حلب وقتها حيث بات الجميع تحت أنظار جمال باشا قائد الجيش العثماني الرابع، الذي أوعز إلى الجمع بترك حلب والتوجه إلى الشام وفي رحلة شاقة وصل الجميع إلى دمشق حيث الاستقرار الأمان
وفي دمشق عمل  الأخوان نظريت وأوديس بصنعة الزخرفة على النحاس التي أخذاها عن والدهما الذي اشتهر ببراعته بالحفر على النحاس في مسقط رأسه مرعش، إلا أن ظروف الحرب العالمية الأولى أدت إلى تراجع الحرف اليدوية مما أجبرهما على الاتجاه إلى عمل آخر، فأسسوا معمل للسجائر إلا أنهم لم يقنعوا بأرباحه، وعندما واتتهم الفرصة أسسوا شركة صغيرة للمقاولات وانخرطا في ظل وزارة الأشغال العامة عام ١٩٢٣م بأعمال إنشائية بسيطة، ونظراً  لما تحلوا به من أمانة ومصداقية بدأت العروض تنهال على الشركة الفتية التي حملت اسم العائلة للمقاولات.
بين عامي ١٩٤٣- ١٩٤٧ أنتخب نظريت يعقوبيان نائباً في البرلمان السوري الذي نفذ بناءه، وأشرف على ترميمه بعد أن قصفته القوات الفرنسية عام ١٩٤٥.
وبالعودة إلى الأعمال التي أنجزتها الشركة منذ بدايتها فهي حسب فترة انجازها الزمنية.
البنى الرئيس لجامعة دمشق وصالة الاحتفالات ١٩٢٩، طريق دمشق القنيطرة ٦٦كم.
انفصلت الشركة عام ١٩٣٠م عن  وزارة الأشغال لتبدا بتنفيذ أعمالها المستقلة ببناء المشفى العسكري الكبير. التجهيز الأولى، وزارة، الثكنات العسكرية، بناء الجمارك، القصر العدلي، فندق سميراميس، الجامع الكبير في تدمر، قصر حسن باشا الأطرش ١٩٣٦ في السويداء، طريق سويدا  أزرع 1940.  بناء وزارة المواصلات ١٩٤٣ ترميم المجلس النيابي ١٩٤٥(حيث نفذ العمل بتكلفة أربعين ألف ليرة عوضاً عن مئة وخمسين ألف عرض قدمته شركة إنكليزية للمقاولات، ١٩٤٦ بناء مبنى الشركة الخماسية بالقابون، طريق دمشق السيدة زينب ٨ كم، القصر العدلي. ١٩٤٧ طريق أبو رمانة ٣ كم، طريق عين الفيجة وادي بردى، طريق فيق الحمة في الجولان ٩ كم، طريق الجولان الحدود اللبنانية،١٩٥٠ خنادق لتركيب خط انابيب شركة التابلاين الأمريكية ١٩٥١ ، شارع عدنان المالكي ٤ كم١٩٥٣ وفي نفس العام تم تنفيذ مباني معرض دمشق الدولي، تنفيذ مبنى السفارة السعودية بأبو رمانة، تنفيذ إنشاءات لشركة آي بي سي الإنكليزية بالقرب من تدمر، تنفيذ ساحة الامويين والعباسيين عام ١٩٥٦.
لتبدأ المرحلة التي عمل فيها الجيل الثاني من آل يعقوبيان في مجال التعهدات.
أفديس وآغوب للتنفيذ ونظريت للإدارة ليبدأ العمل في تجفيف مستنقعات سهل الغاب، وتغيير مجرى نهر العاصي، وفي نفس العام شقت الشركة أوتوستراد المزة المؤدي إلى مطار المزة، كذلك بدأ بتنفيذ شبكة للمياه المالحة في المزة، إنشاء ٤٠٠٠ متر مربع في أرض المعرض، وفي عام ١٩٦٠ تم إنشاء مبنى مركز الطاقة في مدينة دمشق بمتطلبات هندسية معقدة، وفي ١٩٦١ تم إنشاء سد جسرين على العاصي، عام١٩٦٤ أجرت الشركة دراسة لسبر الأرض وتمديد شبكة جديدة للمياه عام ١٩٦٥فتح اوتستراد وشق طريق المطار بطول ٣٥ كم .
اتسعت أعمال الشركة مما تطلب زيادة  وتنوع في اختصاصات القائمين على العمل ليظهر كل من السادة ليون وأبديس وقارنيق وفارتاكيس نظريت يعقوبيان الذين أتم أغلبهم دراستهم في مجالات الهندسة في الجامعة الأميركية في بيروت وليحصل ليون على دكتوراه في مجال اختبارات التربة من الولايات المتحدة الأمريكية وليعود إلى أرض الوطن للانخراط في العمل من جديد بخبرات جديدة.
توقيع عقد مع شركة باتينيول لتمديد خطوط الاتصالات الهاتفية، في عام ١٩٧٠ وقع قارتيق عقد لبناء صوامع للحبوب في كل المحافظات السورية حيث تم أنشاء أربعة عشر مركزاً، لتمتد أعمال الشركة إلى الأردن حيث استحقت الشركة الوسام الأردني الملكي لقاء الخدمات المقدمة، قدم  من الملك الحسين عاهل الأردن، في عام ١٩٧٥ أنشأت الشركة جسر الرستن بعرض ٣٦ متر من الحديد والبيتون وعلى الجانبين تم تنفيذ طرق جانبية بطول خمسة كيلو مترات، تنوعت أعمال الشركة فقامت بتعبيد ومد الإسفلت على٣٥٠ كيلو متراً طريق دمشق حلب إنشاء أوتستراد الرستن سراقب، في عام ١٩٨٥ إعادة تأهيل طريق معلولا حمص بطول١٠٠ كم، بناء سفارة الإمارات، بناء مشفى الأسد الجامعي (ليون وابنه فاسكين وابن عمهم بيرج) بالإشتراك مع شركة ألمانية، تنفيذ ضريح الجندي المجهول بين عامي١٩٨٥- ١٩٩١، إنشاء فندق الشام في دير الزور،  قام فاسكين بتنفيذ مبنى سفارة قطر في دمشق عام ١٩٩٧، ومع اتساع اختصاصات الشركة غادر سوريا بعض أفراد العائلة ليتابعوا دراساتهم في مجالات الطب والصيدلة والهندسة المعلوماتية.
محطة الناصرية لتوليد الطاقة الكهربائية،2005-2008 بالقلمون التحتاني تبعد عن جيرود حوالي 10 كم على الطريق الواصل بمدينة الناصرية.
 قامت شركة يعقوبيان للمقاولات مع شركة نادر وخلدون أتاسي، بالعمل بين عامي 2005 - 2007 بمشروع توسعة محطة الناصرية للطاقة الكهربائية من خلال توسعة مشروع سكن العاملين بالمحطة ب 8 مباني سكنية طابقية من مدخلين، وكل بناء بأربع طوابق + أرضي، المشروع كان متكامل الأعمال من كل النواحي الإنشائية و المعمارية و بإشراف مباشر من شركة كوخ و سيمنز الألمانيتين و تحت إشراف وزارة الكهرباء، و بأحدث الشروط و الوسائل المطلوبة في هكذا مشاريع مع بنى تحتية كاملة من محطات معالجة مياه الصرف الصحي و خزان مياه عالي خاص للسكن و خطوط صرف صحي و مولدات كهربائية و محطات مياه التدفئة و نادي رياضي و أربع فيلات و طرقات معبدة و أرصفة ...
و ترافق المشروع مع توسعة المحطة الكهربائية الأساسية من خلال تزويدها بعنفات أساسية و برج تبريد ضخم و مباني ملحقة مثل مبنى الكيمياء والمختبرات ومبنى التحكم و الطاقة المولدات وما يرافقها من أعمال إنشائية وميكانيكية و كهربائية ومدنية ومعمارية و أيضاً إعادة تأهيل للبنى التحتية و الطرقات داخل المحطة و أيضاً محطات معالجة و خزان ماء عالي للمحطة و ربط بين السكن و المحطة بخطوط الكهرباء والمياه والصرف والطرقات، تحت إشراف المقاول الرئيسي شركة كوخ و سيمنز الألمانية ووزارة الكهرباء.
مشروع الفيلات الرئاسية مقابل قصر المؤتمرات بجانب مدينة المعارض الجديدة بجانب نادي دمشق العائلي، وهو مشروع كامل لبناء وإكساء 26 فيلا رئاسية لاستضافة رؤساء الدول العربية أثناء انعقاد مؤتمر القمة العربية بدمشق وكان برعاية و تمويل شركة الديار القطرية، تم حفر وتنفيذ الفيلات وإكساؤها مع كامل البنى التحاية من شبكات صرف ومياه حلوة وكهرباء وطرقات وحدائق ومباني ملحقة وتصوينة محيطة بالمشروع، الفيلا الواحدة عبارة عن طابق واحد نفذت وبالتعاون مع شركة الاتحاد العربي للبيتون المجبول، ولضيق الوقت أحضرت الأسقف البيتونية مسبقة الصب، بطريقة البيتون مسبق الإجهاد من لبنان،  وللسرعة تم تقطيع غرف الفلل من الداخل بالجدران الاسمنتية الخفيفة سيمنت بورد وتمم الإكساء الداخلي والخارجي.  ترافقت الأعمال الداخلية مع أعمال البنى التحتية من خطوط الصرف الصحي الرئيسة والفرعية والمياه الحلوة والكهرباء ثم فتحت الطرقات و نفذ الزفت وفرش عشب الحدائق الكازون بطريقة الرولات، زراعة الورد و الأشجار.
تقوم حالياً شركة يعقوبيان بتوسعة مشفى الأسد الجامعي.
اهتمت الشركة بالأعمال الخيرية فشاركت في أعمال ترميم العديد من المساجد والكنائس بالإضافة إلى التبرع في بناء نادي الشبيبة الأرمنية إنشاء مآذن مسجد السيدة زينب بطريقة القوالب المنزلقة.
من أهم العاملين في مجال التنفيذ المهندس آغوب يعقوبيان١٩١٥-٢٠٠١ المشرف العام على أغلب مواقع المنشآت المنفذة.

الخميس، 28 مارس 2013

سوريون مبدعون


المؤرخ عماد الأرمشي      

·       ولد المترجم له في حي العمارة الدمشقي عام 1951 وترعرع بين جنبات جدران بيوتها الجميلة  في أسرة كريمة حانية ليقول هو عن نفسه واصفاً تعلقه وحبه لوطنه ومدينته دمشق" أنا لست عنصرياً، ولا متحيزاً، ولا متعصباً ... ولكن كل الجنسيات التي قابلتها في أسفاري وحلي وترحالي في غربتي، أشعرتني أني عنصري و متحيزاً للشام حتى الجمام؛ متحيزاً لكل سوري؛ ليعاود القول عن ولعه بمدينته رضعت عشق هذه المدينة الخالدة .. وما زال حبها يسري في عروقي بكل أوابدها من مساجد، ومدارس قديمة، أضرحة و تكايا وزوايا، خاناتها، أحيائها، شوراعها، حاراتها .. وأزقتها كل شي فيها". .

لينساب حديث الذكريات إلى قوله "كنت صديقاً لوالدتي رحمها الله منذ نعومة أظفاري، أتلهف للنزول معها الى ( المدينة ) أي دمشق كما كانوا يسمونها أهل الشام في تلك الفترة. لأستنشق عبق الشام الأموية ... كنت أقف أما حجارة المساجد، و أسوار الأوابد .. أتفحصها .. أمعن النظر فيها ... وكأن فيها سحر غريب يشدني إلى تأملها والغوص في ثنايا خبايا حجارتها وما تحمله من أسرار تريد البوح لي عنها؛ استرعى اهتمامي انتباه والدتي لتعود وتوي إلى والدي  لتروي له عنتعلقي بمدينتي وأوابدها وأنا مازلت طفلاً غضاً لتقول: له ـ رحمه الله لربما يصبح إبننا عالم آثار بالمستقبل ...".

كان لحميمية الأسرة وثقافتها دوراً بارزاً في تطور وعي المترجم له فقد عاش في بيئة مثقفة ومن خلال وجوده مع والده محمد شحادة الأرمشي الموظف في سلك التعليم في مدرسة الفاروق بالعمارة .. ليصبح فيما بعد مديراً لمدرسة ابراهيم هنانو بنوري باشا ، ليتدرج وظيفياً ليصبح مفتشاً ( في الرقابة و التفتيش ) ثم مراقباً في البرلمان ( مجلس الشعب) في هذا البيت الدمشقي كبر عماد الأرمشي وكبرت معه آماله في إعادة كتابة تاريخ مدينته بالشكل الذي أحب.

وقفات في حياة عماد الأرمشي يسرد الأستاذ الأرمشي مايلي" درست الإبتدائية بمدرسة إبراهيم هنانو بنوري باشا. الإعدادية في مدرسة ابن خلدون حتى الصف العاشر . ثم ثانوية أسعد عبد الله بالحلبوني . التحقت بجامعة دمشق قسم التاريخ وعملت أثناء  أثناء دراستي الجامعية كمدرس ( خارج الملاك ) للتاريخ والجغرافيا والتربية الوطنية نظام الساعات". بعد تخرجه التحق بخدمة العلم لينهيها ويغادر الوطن قاصداً ألمانيا والنمسا ليستقر في ألمانيا وفيها تفرغ الأرمشي للبحث في تاريخ دمشق وتطور عمارتها خلال حقب زمنية متتالية ليصبح فيما بعد من أبرز من كتب في التطور العمراني لمدينة دمشق بالاعتماد على مصادر ومراجع مثبتة ليعطي بذلك لنفسه ألقاً متجدداً يحمل بين ثناياه معلومات موثقة اعتمد فيها على التوثيق الكتابي والتوثيق الفوتوغرافي مخرجاً بذلك معلوماته من طيات الكتب إلى عالم الدراسة المقروءة والمنظورة بواسطة الصور الفريدة والجميلة التي حرص على جمعها أينما وجدت ونشرها فيما بعد.

قيل فيه

 رهن نفسه لتدوين تاريخ الأميرة ذات المعادلة الصعبة
إمتدت جذوره بأرضها رغم بعده عنها فأصبح عماداً دمشقياً وسيفاً أموياً
من السروجيه حاك سرجاً ليمتطي جواداً أيوبياً ليجول في تاريخها المملوكي والعباسي والعثماني ..
فتارةً يصطحبنا معه في جولاته الى خانات دمشق وتارة نجد أنفسنا قد دخلنا صحن الجامع الأموي .. إلى مدارس دمشق التي أنشأت عبر عصور تاريخية مختلفة مكملا بذلك مسيرة إبن الأثير والقرطبي
وصولا إلى الحافظ إبن عساكر والدكتور الشهابي.
مقابلة مع المهندس مهند الحلبي
منذ أن تعرفت عليه من مجموعة دمشق بالأبيض والاسود على موقع التواصل الاجتماعي،
أعتبر نفسي قد بدأت أتعرف على مدينتي دمشق وكم كنت جاهلاً بها وبالأخص بماضيها العريق وقبل اختراع آلة التصوير، وبماضيها الجميل عندما اكتمل بنيانها وامتدادها، حتى معرضها وربوتها وسكة الترام وبابور الزبداني وحجارة الاموي وبيوتها العريقة حتى بت على يقين اذا شاهدت حجراً في المدينة وسألته عنه فهو يعلم من اين اتى ذلك الحجر وأين وضع ومتى ... الآن انا اشاهد دمشق وكأنني للمرة الأولى اشاهدها من خلاله ومعطياته التاريخية المثيرة عن كل زاوية وزقاق وشارع ... عندما اشاهد ساحة المرجة مثلاً اتخيل كلامه وشرحه المستفيض عن اسواقها ترامها ابنيتها التي كانت ولا استطيع ان ارى غيرها بالساحة رغم انه لم يبقى من الابنية والمعالم إلا القليل على ارض الواقع ... هذا الرجل جعلنا نركب الترام بين شوارع دمشق ونبحر به نحن الجيل الذي لم يشهد الترام ولا سكته .
كنت اضع صوراً لدمشق القديمة بهذه المجموعة قد حيرت من عاصر الصورة اين هي وماذا اصبحت وكان يفاجئنا بوصف تلك الصورة احداثياتها وزمانها من خلال  من صورها.
لعمري ان ذلك الرجل هو مدينة دمشق متحركة أينما كان واينما حل اتمنى من الله تعالى ان يمد في عمره وعمري لألتقي به في دمشق واحسب انها ستبدو عندها دمشقان واحدة على الارض وواحدة عليها اسمها الاستاذ الباحث عماد الأرمشي ادامه الله لنا ولها.

الأربعاء، 27 مارس 2013

سوريون مبدعون
 
محمد عبد الله قاسم
 
ولد المترجم له في مدينة بصرى الشام من محافظة درعا في 25-1-1975م، تلقى تعليمه في مراحله الثلاثة في بلدته، حصل  على الشهادة الثانوية العامة( الفرع الأدبي) عام 1993م؛ لينتقل إلى دمشق، لإتمام دراسته الجامعية، نال إجازة في اللغة العربية وآدابها من جامعة دمشق بتقدير امتياز، حصل على جائزة الباسل للتفوق الدراسي لأعوام عدة، ليكون الأول للتفوق الدراسي على دفعته لعام 1997م، ليحصل على دبلوم الدراسات اللغوية بتقدير امتياز حصل على الماجستير في النحو والصرف في العام 2001م، وفي العام 2005م نال الدكتوراه في النحو والصرف من جامعة دمشق
من آثاره
الأصول النحوية والصرفية في الحجة، جزآن، دار البشائر، دمشق، 2008.
النحو وتاريخه، جامعة دمشق، 2011.
النحو ومسائله، جامعة دمشق، 2012.
وهو يعمل الآن مدرساً للنحو والصرف في كلتي الآداب في دمشق والسوداء.
وله بعض المقالات العلمية المنشورة في المجلات المحكمة، في مجمع اللغة العربية وجامعة دمشق والتراث العربي  

الاثنين، 2 يوليو 2012

وطني
وإن جار الزمان عليك عزيز




الموت أرسى مرساته في وطني سورية

مواطنون دونما وطن

مطاردون كالعصافير على خرائط الزمن

مسافرون دون أوراق ..وموتى دونما كفن

نحن بغايا العصر

كل حاكم يبيعنا ويقبض الثمن

نحن جوارى القصر

يرسلوننا من حجرة لحجرة

من قبضة لقبضة

من مالك لمالك ومن وثن الى وثن

نركض كالكلاب كل ليلة

من عدن لطنجة

ومن طنجة الى عدن

نبحث عن قبيلة تقبلنا

نبحث عن ستارة تسترنا
وعن سكن.......

وحولنا أولادنا

احدودبت ظهورهم وشاخوا

وهم يفتشون في المعاجم القديمة

عن جنة نظيرة

عن كذبة كبيرة ... كبيرة

تدعى الوطن

مواطنون نحن فى مدائن البكاء

قهوتنا مصنوعة من دم كربلاء

حنطتنا معجونة بلحم كربلاء

طعامنا ..شرابنا

عاداتنا ..راياتنا

زهورنا ..قبورنا

جلودنا مختومة بختم كربلاء

لا أحد يعرفنا فى هذه الصحراء

لا نخلة.. ولا ناقة

لا وتد ..ولا حجر

لا هند ..لا عفراء

أوراقنا مريبة

أفكارنا غريبة

أسماؤنا لا تشبه الأسماء

فلا الذين يشربون النفط يعرفوننا

ولا الذين يشربون الدمع والشقاء

معتقلون داخل النص الذى يكتبه حكامنا

معتقلون داخل الدين كما فسره إمامنا

معتقلون داخل الحزن ..وأحلى ما بنا أحزاننا

مراقبون نحن فى المقهى ..وفى البيت

وفى أرحام أمهاتنا

حيث تلفتنا وجدنا المخبر السرى فى انتظارنا

يشرب من قهوتنا

ينام فى فراشنا

يعبث فى بريدنا

ينكش فى أوراقنا

يدخل فى أنوفنا

يخرج من سعالنا

لساننا ..مقطوع

ورأسنا ..مقطوع

وخبزنا مبلل بالخوف والدموع

إذا تظلمنا إلى حامى الحمى

قيل لنا : ممنوع

وإذا تضرعنا إلى رب السما

قيل لنا : ممنوع

وإن هتفنا ..يا رسول الله كن فى عوننا

يعطوننا تأشيرة من غير ما رجوع

وإن طلبنا قلما لنكتب القصيدة الأخيرة

أو نكتب الوصية الأخيرة

قبيل أن نموت شنقا

غيروا الموضوع

يا وطنى المصلوب فوق حائط الكراهية

يا كرة النار التى تسير نحو الهاوية

لا أحد من مضر ..أو من بنى ثقيف

أعطى لهذا الوطن الغارق بالنزيف

زجاجة من دمه

أو بوله الشريف

لا أحد على امتداد هذه العباءة المرقعة

أهداك يوما معطفا أو قبعة

يا وطنى المكسور مثل عشبة الخريف

مقتلعون نحن كالأشجار من مكاننا

مهجرون من أمانينا وذكرياتنا

عيوننا تخاف من أصواتنا

حكامنا آلهة يجرى الدم لأزرق فى عروقهم

ونحن نسل الجارية

لا سادة الحجاز يعرفوننا ..ولا رعاع البادية

ولا أبو الطيب يستضيفنا ..ولا أبو العتاهية

إذا مضى طاغية

سلمنا لطاغية

مهاجرون نحن من مرافئ التعب

لا أحد يريدنا

من بحر بيروت إلى بحر العرب

لا الفاطميون ..ولا القرامطة

ولا المماليك …ولا البرامكة

ولا الشياطين ..ولا الملائكة

لا أحد يريدنا

لا أحد يقرؤنا

فى مدن الملح التى تذبح فى

العام ملايين الكتب

لا أحد يقرؤنا

فى مدن صارت بها مباحث

الدولة عراب الأدب

مسافرون نحن فى سفينة الأحزان

قائدنا مرتزق

وشيخنا قرصان

مكومون داخل الأقفاص كالجرذان

لا مرفأ يقبلنا

لا حانة تقبلنا

كل الجوازات التى نحملها

أصدرها الشيطان

كل الكتابات التى نكتبها

لا تعجب السلطان

مسافرون خارج الزمان والمكان

مسافرون ضيعوا

نقودهم ..وضيعوا متاعهم

ضيعوا أبناءهم ..وضيعوا

أسماءهم..وضيعوا إنتماءهم..

وضيعوا الإحساس بالأمان

فلا بنو هاشم يعرفوننا ..ولا بنو قحطان

ولا بنو ربيعة ..ولا بنو شيبان

ولا بنو لينين يعرفوننا ..ولا بنو ريجان

يا وطنى ..كل العصافير لها منازل

إلا العصافير التى تحترف الحرية

فهى تموت خارج الأوطان


نزار قباني