الأربعاء، 6 يوليو 2011

االمربية الأديبة مقبولة الشلق


مقبولة الشلق 1921-1986  أول فتاة سورية، تحمل إجازة في الحقوق من الجامعة السورية.
 تعد الشاعرة والكاتبة مقبولة الشلق، من رائدات الأدب في الوطن العربي.
ولدت عام 1921 في دمشق، عاشت في بيئة متدينة محافظة، في كنف أسرة دمشقية مستنيرة، يملؤها الحب والتفاهم، والدها حمدي الشلق من كبار قضاة دمشق، عرف بنزاهته، ووطنيته، حملت مقبولة مع والدها هموم وطنها، وهي في مقتبل العمر، متأثرةً بمناهضة والدها للمستعمر، والظلم، وحبه للحرية، تَكَون شعورها القومي ، مذ كانت طفلة، من خلال ما سمعته عن هول المآسي التي مر بها الوطن، خلال مراحل طويلة، بدأت دراستها في الخامسة من عمرها، نالت الشهادة الابتدائية في الحادية عشرة من العمر ، لتتابع دراستها الإعدادية والثانوية في مدرسة تجهيز البنات، أنهت مرحلتها الثانوية في المعهد الفرنسي العربي -الحرية-، انتسبت إلى كلية الحقوق عام 1941 وتخرجت عام 1944 فكانت أول فتاة سورية، تحمل إجازة في الحقوق من الجامعة السورية.
مقبولة الشلق المناضلة
لخصت مقبولة كل مايجيش في صدرها من الحب الوطن في قصيدتها –وَجْد- التي صَدّرت بها ديوانها الشعري حيث تقول:


أنا من أهوى، وفي قلبي أوار                      دائم الثورات، جياش السعير
قد رضعت الحب من أم روت لي                 قصص الوجد على مر العصور
علمتني أن للأوطان حقاً                         في حياتي وفؤادي وضميري
فنذرت الروح والقلب فداءً                        لبلادي موطن الخير الغزير
و تغنيت بها أحلى التغني                         شددت الشعر من وحي شعوري


كما أشارت إلى كفاحها المتواصل في حياتها في قصيدتها –التوأمان- و فيها تقول:

خلقت و الكفاح توأمين

فلا يطيق بعده عني دقيقتين

يحبني

يا ليته ما كان حباً بيني و بينه

نمشي معاً

و الدرب وعرٌ، شائك، لا ينتهي

في كل شبر صخرة، أو حفرة

درب عسير، ضيق، منخفض،منحدر في الجانبين

نمشي معاً، مع الصعاب، دائبين



تناما شعورها القومي، فأدركت مايعانيه وطنها من ظلم، وهو يرزح تحت نير الاستعمار، فحملت همومه وهموم البلدان العربية كلها طيلة حياتها، شاركت مقبولة في كل النشاطات السياسية في دمشق، ألقت كلمة حماسية ضد الاستعمار، نُشرت في جريدة (فتى العرب)، بدأ ظهور تفاعلاتها القومية، فشاركت في أول مسيرة نسائية شهدها القطر السوري،وكانت في السادسة عشر من العمر،  وهناك على السلم الداخلي لسراي الحكومة-مقر وزارة الداخلية اليوم- دوى صوتها مستنكراً سلخ لواء الاسكندرون عن الوطن، مندداً بالاستعمار، في وقت كان الاستعمار فيه مازال جاثماً فوق الصدور، عملت مدرسة لمادتي التربية الوطنية والتاريخ، في مدرسة تجهيز البنات، بدمشق لمدة 5 سنوات وشاركت في مؤتمر عصبة مكافحة الفاشية باسم طالبات تجهيز دمشق.. اتسع نشاطها فعملت في البداية من خلال جمعية اليقظة الشامية، كان الحس الوطني عند مقبولة، أقوى من التقاليد الاجتماعية التي تخيم على نساء عصرها، فبرزت كناشطة سياسية واجتماعية ضد الممارسات القمعية، اهتزت طرباً في عيد الجلاء، وهللت لثورة مصر، كونها وجدت فيها بارقة أمل لتحرر العالم العربي بأجمعه من أنظمة الحكم المستبدة، وثارت ثائرتها عند العدوان الثلاثي على بور سعيد، فتوجهت مع وفد سوري، زار مدينة بورسعيد المنكوبة، وقدمت هدايا للأطفال، وألقت قصيدتين حماسيتين، أعجب بهما رجال الثورة، وكبار المسؤولين،  ثم زغردت للوحدة بين مصر وسوريا، إيماناً منها بأن قوة العرب في تماسكهم واتحادهم، متابعتها للحدث السياسي في الوطن العربي جعلها تتضامن مع الجزائر والعراق وليبيا، وكل حركات التحرر فيه ، وبخاصة فلسطين، وجنوب لبنان.

 وخلاصةً، كان حب الوطن يجري في عروقها، فكانت تلاحق الأحداث القومية في الوطن العربي، وتنفعل بها، فتصوغها نفثات حارة، من الشعر القومي الثائر، أو من القصص الملحمي، تمجد فيه البطولة والفداء،كما في قصتها، عرس من نوع جديد، التي ألقتها في ذكرى مرور أربعين يوماً على استشهاد عروس جنوب لبنان البطلة سناء محيدلي.

  

 مقبولة الشلق الناشطة الاجتماعية،  بدأت ثورتها على وضع المرأة في بلادنا مذ أن كانت طالبة، فكتبت، وخطبت، واشتركت في الجمعيات النسائية، وحاضرت في المنتديات مطالبة بحقوق المرأة، وبضرورة مساواتها بالرجل في بعض الميادين، بسبب معاناتها التي بدأت بانتسابها إلى معهد الحقوق، توكيداً منها للمطالبة بحق المرأة في التعليم والعمل، حيث لم يتقبلها المتزمتون من الأساتذة القبول الحسن، فتصدوا لها، لما عرف عنها من جرأة بعد ورودها منهل التعليم الجامعي،  فتجاهل بعضهم وجودها، وتعمد البعض الآخر ترسيبها في الفحص، ليثنيها- عبثاً- عن متابعة الدراسة، فضلاً عن مضايقات زملائها الطلاب المزعجة، وبالرغم من ذلك استطاعت الأديبة أن تمضي بثبات، فصمدت وصبرت و كافحت حتى نالت إجازتها في الحقوق، استمرت معاناتها تلك حين سدت في وجهها كل السبل، بعد أن اشترط عليها بعض الأساتذة عدم مزاولة المحاماة،  تدخُل السيد الرئيس شكري القوتلي، جعلها تنضم إلى سلك التعليم، سافرت مقبولة برفقة زوجها الدكتور مصباح المالح، الذي أوفد من قبل الجيش العربي السوري إلى فرنسا للتخصص في (جراحة الفم والأسنان) فطلبت إحالتها على الاستيداع من خدمتها كمعلمة في مدرسة تجهيز البنات، وأثناء وجودها في باريس اختصت في رعاية الأمومة والطفولة في أرقى مناهجه، في جامعة السوربون .

وعند عودتها، استمرت معاناتها لانعدام توفر دور الحضانة لأطفالها، مما اضطرها إلى الاستقالة، لتقوم برعاية أولادها، و فيما بعد، لاقت الكثير من المعاناة في سبيل العودة للعمل، لولا أن جاءها الفرج على يد الصديق حافظ الجمالي وزير التربية آنذاك، فباشرت عملها في مكتبة الوزارة، مما أتاح لها فرصة الكتابة و العطاء ألأدبي المتواصل الذي استمر حتى قبيل وفاتها.

كانت مؤمنة كريمة جادت بالمال والمتاع و الدم، فقد جادت بدمها في مناسبات أربع، ولم يقتصر عطاءها على المستوى المادي، بل كونها مربية أجيال، قدمت للمجتمع الدمشقي خيرة الفتيات الآتي أصبحن من كبار المربيات، بعد انتظامها في سلك التعليم.

استهواها العطاء بكل أشكاله و هذا ما وضحته لنا من خلال قصيدتها لواعج بردى:

 أهل الشآم أحبني  ماذا  جرى               وحياتكم إني رهين العزلة

معنى الحياة عطاؤها و سخاؤها       ما طعم عيشي عاجزا ما قيمتي؟

ما كنت يوماً في العطاء مقصراً       واحسرتي... إني فقدت هويتي



أسست مقبولة الشلق بعد عودتها من فرنسا عام 1952 (جمعية رعاية الطفولة والأمومة) في قرى الفوطتين وبلدتي دمر وداريا، فكانت أول جمعية تعمل على خدمة أهل الريف، والعناية بنسائه، وتقديم المساعدة الصحية لأطفاله، بمساعدة كل، من نبيلة الموصلي، ومرام جندلي، ومنور إدلبي.

مقبولة الشلق الأديبة

 بدأت كتابة الشعر في مرحلة مبكرة،  وكتبت القصة القصيرة في عام 1935 ثم اتجهت إلى كتابة المقالة في المرحلتين الثانوية والجامعة، تحدثت فيها عن بعض المشاكل، أو المواضيع الاجتماعية القائمة، أحبت دمشق، فأهدتها كتابها الأول (قصص من بلدي) كذلك أحبت الأطفال، فكتبت لهم كثيراً من القصص، تدعوهم إلى حب الطبيعة، والعمل ومقاومة الاعتداء، صدرت لها مجموعات قصصية هادفة للأطفال، (عرس العصافير-سيدة الثمار-ابتسامات حنان)،كما نشرت لها الكثير من قصص الأطفال في العديد من المجلات و الصحف، أما عن نتاجها الشعري ، فقد نشرت قسما منه في ديوانها (أغنيات قلب)، عام 1982 وهو مجموعة من الشعر الوجداني و القومي، يقع الديوان في /125/ صفحة من القطع الكبير، نذكر من عناوين قصائده, أحبك, آدمية, وحدي أسير, فرحة الشام, دوار الشمس, الدوحة الشماء, ثورة الشام , صوت الفدائيين، آلام الذبيح, لواعج بردى.‏

 بعض ماقالته في دمشق :

أحبك قد أبصرت والحب يعظم          لغيرك لاأشدو ولا أترنم‏

أحبك ياابهى بلاد رأيتها                  ومالا ترى عيني وما الخلق يعلم‏

أحبك في خطب المزارع جنة             ففي كل شبر جني وزرع وموسم‏

أحبك جمالا أعيش بدونه                لقلبي سناء سرمدي وملهم

نشرت قصصها ومقالاتها في البدايات باسم مستعار هو ( فتاة قاسيون )، وفيما بعد نشر إنتاجها الأدبي في الصحف والمجلات السورية والعربية، فكانت تكتب القصة وتنظم الشعر، وتقيم وتشارك في الندوات الأدبية، انتسبت إلى اتحاد الكتاب العرب، وكانت عضواً مؤسساً في جمعية أصدقاء دمشق، وجمعية القصة والرواية.
كان دعاؤها إلى الله: أن لا يحرمها متعة العطاء الأدبي، فظلت كذلك حتى قبل شهر من وفاتها، تسطر الفصول عن دمشق، و تكتب عن عادات أهلها، وعن ذكرياتها.

 توفيت الأديبة مقبولة الشلق عام 1986 تاركة وراءها ذكرى عطرة عن مثال المرأة السورية الأدبية والمناضلة، تاركةً بصمة واضحة في مسيرة الأدب النسوي السوري, الذي  كانت من رائداته.

وعادةً يتوارث الأبناء المهن، إلا أنه من النادر أن يتوارث الأبناء الفكر، ولكن مقبولة تركت مورثها الشعري في ابنتها السيدة ماريا المالح المفتي، لتذكرنا من خلال شِعِرها الجميل ضمن أوراقها الخاصة التي لم تنشر بعد، بأن طيف مقبولة مازال حياً في مدينتها التي أحبت دمشق.

نذكر من مؤلفاتها:


قصص من بلدي 1978 اتحاد الكتاب العرب, مجموعة قصصية هادفة للأطفال- عرس العصافير 1979- مجموعة قصصية مصورة للأطفال- مغامرات دجاجة1981    دار الفكر - ‏سيدة الثمار 1985 منشورات وزارة الثقافة، ابتسامات حنان، قصص- ضوء الليل الأخضر، قصص للناشئة، ديوانها أغنيات قلب، صدر بالتعاون مع اتحاد الكتاب العربي عام  1982م.‏


الاثنين، 4 يوليو 2011

التراثيات في المنازل جمال و فخر و اعتزاز

يختزل هذا القول كثير من المفاهيم التي تحدد أهمية الموروث أو أي قطعة قديمة لأي منا، فمن خلال آثار باقية يعطي الماضي مخزوناً من القيم المحسوسة والملموسة، تشكل منطلقاً لإثبات وجود ماضٍ عريق يستند إلى أشياء ملموسة، تشد الناظر إليها لتذكره بتاريخ لم يكن هو موجود فيه، ولكنه يستطيع استذكاره بمجرد النظر إليها..

تعد القطع الزجاجية القديمة من المواد الأساسية المساعدة المستخدمة في صناعة الأثاث وزخرفته، حيث تستعمل المرايا والبلور العادي والملون للتزيين وإضفاء الجمال على المكان. وقد برع العرب في صناعة الأثاث المزجج المتعدد الألوان الذي شاع في القرن السابع عشر واستخدام العاج في تطعيم الأثاث الفاخر، ونزل عظم قوقعة السلحفاة فوق أرضيات من الفضة، كما استخدمت أصداف القواقع وعرق اللؤلؤ لتطعيم الخشب
، واستعمل الجص المعجون بالغراء لتشكيل الزخارف وبخاصة في الأثاث الإسلامي الشرقي.



 وهكذا تعد قطع العاديات القديمة عنصراً متمماً وملازماً لفن التصميم الداخلي والأثاث، حيث تعتمد وظيفتها على ملأ الفراغ الذي ستوضع فيه ومدى تناسقها مع المكان، فقد نُفِذَت بعض قطع الأثاث وقطع العرض في العصور المختلفة بأسلوب جميل ومهارة فائقة فعدت من الأعمال الفنية البديعة واستحقت أن تحتل مكانها اللائق في المتاحف كونها قطعاً فنية.

فكل تحفه قديمه مر على صنعها أكثر من خمسين عام .. وليس لها أي صفه أثرية تعتبر قطعة تراثية ترجع أهميتها إلى الزمن والمكان الذي صنعت فيه، حيث يتميز الأصلي منها بخفة الوزن وبنعومة الملمس ودقة التفاصيل، وتدخل الأنتيكات تحت جنسيات مختلفة فيوجد منها العربي والايطالي والانجليزي والصيني والنمساوي والروسي والفرنسي.

تعيد قطع الأنتيك الإحساس داخل المنزل بالتراث القديم، ولكن بشكل محدث  وهي أفضل من الإكسسوارات الأخرى التي تُزَين بها البيوت، كونها تعطيي راحة نفسية لساكنيه وتضفي على المنزل شكل جمالي رائع روح وطابع خاص ومميز.
واليوم يعطي وجود القطع القديمة في أرجاء البيت قيمة معنوية كبيرة فكل تحفة تعطي حكاية متكاملة تستحضر شخصية صاحبها، فبمجرد النظر إليها من الممكن تذكر وابل من الذكريات الحميمة التي لايعرف مكنونها سوى صاحبها، وبهذا تعد العاديات تراث حي في منازلنا، وهي ليست قصراً على طبقة معينة من المجتمع، فمن الممكن أن أزور صديق متوسط الحال وأجلس في منزله على موروث له من جده أو والده، أو أنظر حولي فأرى شمعدان أكل حوافه الصدأ أو مزهرية محت زخارفها آثار السنون، وبهذا أتعايش مع شيىء يرجع إلى ربع قرن أو أكثر، قد يفصح لي عن حال معينة لصاحبه في فترة ماضية، أو يعطي ماكان سائداً في تلك الفترة من فنون وطرز وابتكارات.

 ولكن اللافت للانتباه تبني  طبقة المنعمين اقتناء العاديات، وفي رأيي بأنه شيء حسن، كونهم قد حرصوا على سلامتها، لتحتل الصدارة  في منازلهم ، وخصص لتنسيق عرضها من كان بها خبيراً وذلك لإظهار مواطن الجمال فيها من خلال وضعية معينة، أو إنارة مدروسة لتواجدها ضمن مجموعة تعود لفترات زمنية متقاربة، وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على الحنين للأصالة ووعي كامل للحفاظ على تراث متمثل في اقتناء هذه العاديات التي تتزايد قيمتها بمرور الأيام.

اليوم و نحن نتتبع أحدث ما أنتجه المصممون في مجال التصميمات الداخلية
نلحظ حرص  البعض على
إبراز كل مايتعلق  بالتراث، وتقديم قطع تراثية كجزء من لمسات التصاميم الداخلية، فالحنين للمنزل التراثي أعطى المصممين فرصة لتوظيف الفن القديم الأصيل في مساحات و مفردات شِعَبية تعطي روحاً جديدة إلى التصاميم الحديثة للمنزل, وكأن في هذا التراث تجديداً و بعثاً لروح كانت موجودة أعيدت إليها الحياة لتضاهي بجمالها ماهو موجود، معيدين بذلك إحياء قول الشاعر
كم من منزل
يألفه الفتى          وحنينه أبداً لأول منزل
ففي التراث المحلي نكهة جمالية و أبعاد نفسية لا يعرفها إلا من يتفاعل معها
.
وبهذا يعود الماضي ليسكن دورنا بما يحمله من عبق وذكريات وتواريخ، كونه جزءاً من تصميم المنزل،  وتواجد القطع التراثية في
كل زاوية و ركن فيه يعطي تجاوزاً لما هو مألوف، حتى أن البعض خصص ركناً خاصاً للتراث يجمعون فيه كل ما له علاقة بالتراث من قطع تعود إلى أماكن متباعدة، تحمل تاريخ وسجل معروف، وفي الغالب تكون هذه القطع غير مستخدمة و لكن أهميتها تكمن في قيمتها التراثية, ووجودها في ركن خاص يعطي مزيداً من الخصوصية والتفرد فصار للركن التراثي في المنزل شخصية مستقلة تربط الأبناء بماضيهم و تذكر الآباء بمورثهم وتعطي الزائر انطباع جميل عن مورث حضاري، فالناظر إلى تلك القطع التراثية الجميلة المعلقة على الجدران من قطع السلاح اليدوي كالسيوف الخناجر، أو الأرائك وقطع السجاد القديمة الموزعة في الأركان، أو تلك الشمعدانات والمزهريات القديمة، ناهيك عن تلك الصحون المستديرة المنقوشة بزخارف ذات ألوان زاهية، ، والصناديق الخشبية و المكاحل، الموزعة بشكل متناغم يوحي بالذوق دون أن يفقد القطع أهميتها، كل ذلك يعطي الزائر فرصة التمتع بالجلوس و التعايش مع التراث والتاريخ، كونها تغذي أرواحنا التي تحن وتئن لعبق السنين الراحلة كعنصر مُذكر دائم لأصالتنا وتاريخنا .


الأحد، 3 يوليو 2011

الجامع الأموي - قلب مدينة دمشق النابض


يتلازم ذكر دمشق مع معالم ثابتة فيها منها قاسيون والجامع الأموي والمرجة والحجاز.
 يعد الجامع الأموي تحفة فنية وهندسية نادرة النظير، وصرح عظيم خلد عظمة بُناته، الصلاة فيه بثلاثين ألف صلاة.. وفيه قبر النبي يحيى ومصلى النبي هود، له شأن عظيم في تاريخ دمشق والشام، فمنه جُيشت جيوش الفتح وصُد الغزاة على مر تاريخ طويل، وفيه ظهر العلماء والقادة العظام، وكان على الدوام ملجأ المجاهدين، ومنطلق حركتهم، في التاريخ البعيد والقريب.
قيمته التاريخية وظروف بنائه ارتبطت الحياة الأولى للإنسان بالتعبد لذلك تقدَّم نشوء المعبد على غيره من المنشآت، وتؤكد الحقيقة التاريخية أن دمشق أقدم مدن العالم، وبالتالي فإن معبدها الأقدم في التاريخ الإنساني.
ُقيم المعبد على حافة ربوة، يليه وادٍ صغير، حفر في أسفله نفق تُنقلُ من خلاله القرابين إلى الداخل،  ويرجع المؤرخ السوري عبد القادر ريحاوي تاريخ تأسيس هذا المعبد إلى الألف الثالث قبل الميلاد، اتخذه الآراميين معبداً للإله " حَدَدْ "، والرومان معبداً نُسب للإله " جوبيتر", في مطلع الألف الأول قبل الميلاد،  ويبدو الشكل الخارجي للمعبد مستطيلاً، وقد عرف بالمستطيل الإلهي أو المستطيل الذهبي، يحيطه سور خارجي بطول  ‏ (380م) له واجهات فخمة ومداخل عملاقة قامت على أعمدة عالية جداً لا يزال بعضها قائماً حتى اليوم، تجلى آثاره بالقوس الخارجي في منطقة " المسكيّة" الذي يعد بوابة المعبد، وبدخول المسيحية أواخر القرن الرابع الميلادي إلى سورية حوله الإمبراطور " تيودوسيوس"إلى كنيسة حملت اسم القديس " يوحنا المعمدان" أو النبي يحيى فيما بعد[1] ، وتشير المصادر بأن رأس النبي يحيى مدفون داخل حرم المسجد، وبعد الفتح الإسلامي اقتسم المسلمون أرض المعبد الكبير مع المسيحيين, وهنا لابد من الإشارة إلى أنه من الخطأ الإشارة إلى الجامع الأموي بأنه الكنيسة ذاتها، والمُعتقد أن العرب  المسلمون  أقاموا مسجدهم الذي عُرف باسم مسجد الصحابة في الجانب الشرقي من أرض المعبد الذي فتحه خالد ابن الوليد عنوة عام 17 هـ,  وتركوا الكنيسة بكاملها للمسيحيين, لأنه لا يُعقل أن يُصل المسلمون مع  الأخوة المسيحيين تحت سقف واحد وذلك لاختلاف الشعائر بينهما، يقول " المهلبي" : بنى المسلمون الجامع إلى جانب كنيسة يوحنا المعمدان،  يجمعهما سور  معبد "جوبيتير", ويذكر المؤرخ ريحاوي "فيدخل الناس من باب المعبد الجنوبي، ليتجه المسلمون يمنة نحو الشرق إلى مسجدهم، ويتجه النصارى يسرة نحو الغرب إلى كنيستهم"، وظل هذا التجاور في العبادة 70 عاماً, فلما آلت الخلافة للوليد بن عبد الملك سنة 86 هـ-705م, أصبحت دمشق حاضرة الخلافة وبات من الضروري إقامة جامع كبير يليق بعظمة الدولة الإسلامية، وتبعاً لذلك جرت مفاوضات مع رعاياه من أهل الكتاب فتخلوا عن نصف المعبد لقاء حيازتهم لمناطق أخرى في المحيط المجاور.

وعندها قال فيه الوليد "إني أريد أن أبني مسجداً لم يبني من مضى قبلي, و لن يبني من يأتي بعدي مثله" وبدأ تنفيذ مشروعه المعماري الهام، مشيّداً الجامع وفق مخطط مبتكر، يلائم التطور الذي بلغه المجتمع الإسلامي، بشكل ينسجم مع متطلبات الشعائر الإسلامية، وأغراض الحياة العامة، فجاء فريدا في هندسته،  استغرق بناؤه عشر سنوات, وكان ثورة على ماكان سائداً قبله من البساطة والتقشف، أنفق في بناء الجامع 100 صندوق من الدنانير الذهبية، في كل صندوق 228 ألف دينار، ويروى أن وفداً بيزنطياً استأذن لزيارة الجامع أثناء مروره بدمشق, فأصيب بالذهول لما رآه من فنون العمارة المتألقة، فأشاروا :" أننا أهل روميّة نتحدث أن بقاء العرب في هذه البلاد قليل, فلما شاهدنا هذا البنيان أيقنا بأنهم باقون فيها و لا رجعة لبيزنطة إليها بعد اليوم" فلما أُخبر عمر بن عبد العزيز بذلك, قال: " ما أرى مسجد دمشق إلا غيظاً للأعداء", فتركه على ما كان.
إبداع فني وهندسي عظيم
يعد الجامع الأموي واحداً من التحف الفنية الهندسية، لامتداده على رقعة مساحتها الكلية 15229 متراً مربعاً، بأبعاد 157 ھ 97 متراً، وتبلغ مساحة الحرم 5032 متراً مربعاً بأبعاد 136ھ37 متراً، أما مساحة الصحن فهي 1350 متراً مربعاً بأبعاد 5،22 ھ60 متراًَ، محاط بأروقة شامخة ارتفاعها 35،15 متراً من جوانبه الثلاثة،  وللحرم أبواب من الجنوب مغلقة بأبواب خشبية تعلوها قمريات زجاجية ملونة مزينة بكتابات، بطول    160م وعرض 120م وارتفاع 24 م.

 تزينه قبة بديعة ترتفع نحو 44 متراً ، له40باباً داخليا وأبواب خارجية، يزينه40 عموداً داخلياً، و مثلها في الخارج ويبلغ عدد نوافذه من الجنوب 44 ومثلها من الشمال له ثلاث منارات رائعة الجمال، يحيطه به  سور ضخم من بقايا المعبد الروماني يرجع بناؤه إلى آلاف السنين حجارته كلسية على هيئة مداميك كبيرة الحجم، مزودة بدعائم، جددت أقسامه في العهود العربية، تزين بعض جدران صحنه الرحب فسيفساء بديعة بصور أشجار وقصور بديعة النظر، وينقسم حرم الجامع الأعظم إلى ثلاثة أروقة، تفصل بينها سواري ضخمة رائعة التصميم، حسنة الجمال، مَنّبره غاية في الحسن والإبداع، وفيه مقام نبي الله يحيى عليه السلام، وقد أمر الخليفة الوليد بن عبد الملك بالمحافظة على القبر في مكانه، وجعل فوقه عمود يختلف عن العمد الأخرى ليدل عليه، ثم أقيم عليه في وقت لاحق ضريح من الخشب، مزين بالنقوش، تعرض للحريق، فأعيد بناؤه بالرخام، وبجواره، داخل السور، مقام للحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، بحسب رواية أهل الشام. وهو مفروش بالفاخر من السجاد.
للجامع الاموي بوابات ثلاثة تصله بجهات المدينة الثلاث, و هناك باب رابع في الحرم في الجانب الغربي منه يصله بالجهة الجنوبية من المدينة..
1-         باب البريد يعود للعصر المملوكي
2-         باب الزيادة عند منطقة القباقبية
3-         باب النوفرة يسمى باب جيرون سابقاً
4-         باب العمارة كان يدعى باب الفردايس بالقرب من مقام صلاح الدين الايوبي
و للجامع الأموي ثلاثة مآذن:
1-         المئذنة الشرقية " تسمى مئذنة عيسى" سميت كذلك للاعتقاد بأن سيدنا عيسى سينزل عليها عند قيامه،  و بسبب الكوارث و الحرائق التي لحقت بها, فتحت أمام المعمار العثماني ليترك بصماته فوق الصرح العمراني العظيم, فالقاعدة مملوكية و المئذنة عثمانية.
2-    المئذنة الغربية " تسمى قايتباي" هي أجمل مآذن الجامع الأموي, أصبح لها طابع مملوكي و هي المئذنة الأولى التي شُيدت في دمشق على الطراز المملوكي.
3-  المئذنة الشمالية " تسمى العروس" شيدها الوليد بن عبد الملك و جعلها مُذهبة من أعلاها لأسفلها, و تُعتبر من أجمل مآذن الجامع الأموي بعد مئذنة قايتباي, و مئذنة العروس،  تشبه  العروس لِما كانت تتلألأ بأنوار الفوانيس في المناسبات.
القيمة الدينية للجامع الأموي
حظي الأموي بقيمة دينية وروحية عالية، فهو يعد معلم ديني بارز، حيث يشير الشيخ نزار الخطيب إمام وخطيب الجامع الأموي عن بعض العلماء، بأن الجامع مقام في المكان الذي يقال بأن فيه وادي التين، الذي أقسم به الله تعالى في القرآن الكريم، في قوله جَلّ وعلا "والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين"[2]، وفي حرمه قبر النبي يحيى عليه السلام. بحسب ما أورد ابن عساكر في تاريخه نبأ العثور على قبر هذا النبي الكريم في المكان، أثناء تشييد الجامع، كما يوجد في جانب من الجامع الأعظم ضريح لسبط النبي عليه السلام، الحسين بن علي رضي الله عنهما، بحسب روايات بعض أهل العلم من أبناء الشام[3]، ويرقد بجواره الناصر صلاح الدين الأيوبي .
        لعب الجامع دوراً علمياٍ كبيراً فهو موطن لتدريس علوم المذاهب الإسلامية الأربعة المالكية والشافعية والحنفية والحنبلية، فكون مع المدارس المجاورة الملحقة به جامعة ضخمة، درست فيها علوم الدين واللغة والرياضيات والفلك والفلسفة، وسائر العلوم.
تخرج منه ثلاث من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، حفصة بنت عمر بن الخطاب، وأم حبيبة وأم سلمة، كما عَلم فيه صحابيات كخولة بنت الأزور ورفيدة الأسلمية، ودرّس فيه من العلماء والفلاسفة الكبار العلامة أبو بكر الرازي والخوارزمي والفيلسوف الشهير أبو نصر الفارابي المدفون في  دمشق.
ولم يقتصر الأموي في فعالياته على العبادة والتعلم، بل اجتمعت حوله وعند أبوابه فعاليات ونشاطات اجتماعية وسياسية وتجارية، وشيدت إلى جواره قصور الخلفاء والسلاطين، وأشهرها قصر الخضراء، ودار معاوية، ودار الخيل، وأسواق الطيب والعنبر والصياغة، ومصانع الحرير الدمشقي، ويشير بعض المؤرخين إلى وقوف الشرطة والوراقون وعاقدو الأنكحة والشهود، عند أبوابه، وهكذا ظلَّ المسجد مركزاً للحياة السياسية والثقافية والدينية لأبناء مدينة دمشق لفترات زمنية طويلة، فلم يكن مجرد مكان ديني للعبادة، بل كان له صفة سياسية وتعليمية واجتماعية.
تعرّض المسجد خلال تاريخه الطويل إلى كوارث طبيعة كالزلازل والحرائق المتكررة التي لحقت به من جراء الغزوات المتتابعة على مدينة دمشق، فكان الحريق الأول أيام الفاطميين سنة461هـ -1068م، حيث رميت المدينة بالنيران فاحترقت أجزاء منها،  ولحق بالمسجد الكثير من الأضرار حيث دمرت زخارفه وبعض لوحاته الفسيفسائية، كذلك تعرض لحريق ثان أثناء ولاية تكنز على دمشق740هـ-1339م، واحترقت المئذنة الشرقية عام794هـ. واحترق المسجد عام 884هـ-1479م ، ويقال بأن سبب الحريق قد أتى من الأسواق المحيطة بالجامع، أما حريق عام 1311هـ-1893م، فيعد الأكثر ضرراً، حيث نهض أهل بلاد الشام وبخاصة سكان دمشق مع اختلاف طوائفهم لإنقاذه،  فجمعوا التبرعات،  وتطوّع العمال وأهل المهن للمشاركة في إعادة بناء الجامع،  و تمَّ الترميم خلال تسع سنين، حيث لم تمسّ عملية ترميم أصالة الجامع، ولم تغير تخطيطه العام، إلا أن بعض التعديل الطفيف قد طرأ على بعض العناصر الزخرفية، ولكنها بقيت ضمن الخط الهندسي الأساسي، يعتقد المؤرخون احتراق مصحف عثمان فيه، لم يلق هذا الصرح المعماري العناية والاهتمام منذ ذلك التاريخ إلى أن أصدر الرئيس الراحل حافظ الأسد المرسوم الجمهوري رقم(36) تاريخ/6-10-1991م أمراً بإعادة ترميمه، لإبراز دوره الحضاري والإنساني والثقافي، فغدا قبلة السيّاح والمهتمين بفنون العمارة الإسلامية من كل أنحاء العالم.
متحف الجامع الأموي:
في ركن الزاوية الشمالية القريبة من الجامع أقيم متحف الجامع عام 1989، ويضم نفائس الجامع القديمة وبعض الأحجار والسجاد واللوحات الخطية الجميلة، مع مصابيح إنارة وقطع فسيفسائية وخزفية وزجاجية ونقود إسلامية وساعات وصفحات من المصاحف المخطوطة القديمة والكثير من القطع الأثرية الهامة في تاريخ الجامع العريق.



[1] - يقول ابن عساكر أنه في القرن السادس الهجري الثاني عشر الميلادي تم ثبوت خبر العثور على قبر سيدنا " يحيى"في هذا المكان أثناء تشييد الجامع، و أمر الوليد بن عبد الملك  بالمحافظة عليه و يجعل فوقه عمود يختلف عن الأعمدة الأخرى ليدل عليه ثم أقيم عليه في عهد لاحق ضريح من الخشب مُزين بالنقوش و لكنه احترق مع الحريق الأخير فأُعيد بناؤه بالرخام كما هو حال مقام سيدنا يحيى اليوم.

[2] - مشيرا إلى أن الآية تحدثت عن مكانين واضحين هما جبل سيناء، الذي كلم الله فيه موسى عليه السلام تكليما، والبلد الأمين، مكة المكرمة، فكانت الإشارة إلى التين والزيتون، باعتبارهما أيضا أمكنة، فوادي الزيتون يشير إلى بيت المقدس، ووادي التين يشير إلى المكان، الذي أقيم فيه الجامع الأعظم في دمشق الشام، والذي كان مصلى لرسل وأنبياء وصالحون كثر، خلال التاريخ، منهم نبي الله هود ونبي الله يحيى عليهما السلام
[3] - تشير روايات كثير من أهل الشام، إلى أنه جيء برأسه بعد مقتله في كربلاء، ودفن في طرف الجامع الأعظم. لكن روايات أخرى تنفي ذلك.